الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
أثار مشهد تجاهل والي جهة كلميم واد نون لنائب رئيس جماعة كلميم عبد الله النجامي المحسوب على حزب العدالة والتنمية وابلا من الانتقادات اللاذعة لسلوك الوالي الذي يبدو أنه خارج البروتوكول ويسيئ إليه قبل أن يسيء إلى الجميع، وأنه خرق سافر للأعراف والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق المرعية في هذا الباب.
الحادث المهين والبشع كان خلال حفل رسمي لتدشين مشاريع تنموية بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، مما أثار موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول مقطع فيديو يوثق اللحظة.
سلوك الوالي حسب كل من شاهد مقطع الفيديو الذي يوثق الفضيحة استنكروا هذا السلوك المشين و هو سلوك أعاد إلى الواجهة سؤال الاحترام والتقدير بين بني البشر عموما وخاصة أعيان الصحرراء المغربية فضلا عن التحلي برح المسؤولية بين السلطة المعينة والسلطة المنتخبة.
فمعلوم أنه طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، وباقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من وزير الداخلية، يتفضل الملك محمد السادس، خلال المجلس الوزاري بتعيين عدد من الولاة والعمال بالإدارة الترابية:
ويظهر في الفيديو الوالي وهو يتجاوز مصافحة النائب المنتخب أمام عدسات الكاميرات، في مشهد اعتبره كثير من النشطاء تصرفًا غير لائق “يمس بالاحترام الواجب للمنتخبين المحليين”، بينما رأى آخرون أن الأمر “قد يكون مجرد سهو بروتوكولي لا يستحق التأويل”.
وهو سلوك مرفوض تماما على اعتبار ان الواب وجب عليه أن يعطي المثال على سمو الأفكار والتصورات بعيدا عن الحسابات السياسية والتقاطبات الإيديولوجية والنعرات القبلية.
و في خضم هذا الجدل، أصدرت الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بجهة كلميم وادنون بيانا أعلنت فيه تضامنها التام مع النائب عبد الله النجامي، معتبرة ما وقع “تصرفا غير مقبول ومسيئا، لا يليق بمستوى المسؤولية الإدارية الموكولة للوالي، خاصة في مناسبة وطنية تجسد التلاحم بين الدولة ومؤسساتها المنتخبة”.
وأشار البيان إلى أن ما حدث “تجاوز البعد الشخصي إلى المس بالصفة الانتدابية والسياسية للنائب”، مؤكدا أن الواقعة جاءت في وقت يحتفل فيه المغاربة بـ القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797، الذي عزز الاعتراف الدولي بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية وكرّس مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع المفتعل.
وربطت مصادر محلية الواقعة بـ خلافات سابقة بين بعض مكونات مجلس جماعة كلميم والمصالح الولائية، على خلفية انتقادات وجهها أعضاء من الأغلبية المسيرة بخصوص “بطء إنجاز المشاريع التنموية وغياب التنسيق الإداري اللازم”.
وأكد حزب العدالة والتنمية في بيانه أن “هذه السلوكيات، إن ثبتت، تمس صورة الإدارة الترابية وتتنافى مع روح الدستور الذي يجعل من التعاون بين السلطات والمنتخبين ركيزة للحكامة الترابية الجيدة”.
أما وزير الداخلية عبد الوافي الفتيت فلم يصدر منه أي شيء إلى حدود الساعة وبقي الموضوع بالنسبة إليه في موقع (الفلو) لا تدخل ولا أشار ولا نبه ولا نبس ببنت شفة.
الفتيت الذي سكت عن سلوك الوالي هو نفسه الذي توعد المنتخبين والسياسيين ورؤساء الجماعات والأعضاء باسترجاع درهم واحد أخذوه من المال العام.
وقال جملته الشهيرة: “اللي دا شي درهم ديال الأرض ماشي ديالو غادي يرجعها ولا نمشيو معاه لخزيت”.
فمن الذي أسكته عن سلوك الوالي؟
أم أن الوالي مايقدرش عليه؟
وسلطته تفوق سلطته؟
أم هو أسد على المتخبين ونعامة على الوالي؟
هذا وأرسلت هذه القضية إشارات قوية للمجتمع حول خطورة الاستهتار بمصلحة المواطنين، و قد يؤدي الصمت عن مثل هذه التجاوزات إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية، ويفتح الأبواب لتفشي الفساد.
و إذا نظرنا إلى الوراء، نجد أن مثل هذه القضايا كانت سببًا خلف العديد من الاحتجاجات في المغرب، حيث تطالب الجماهير بحياة كريمة، وحقوق مشروعة، وضرورة إحلال العدالة الاجتماعية والحرية والاحترام المتبادل بين الجميع.
وفي هذا الصدد أطلق العديد من الفاعلين المدنيين والسياسيين نداءات للتغيير، حيث اعتبروا أن الوقت قد حان للمطالبة بقيم جديدة في العمل العمومي.
وشدد بعضهم على أهمية “رد الاعتبار للنجامي”، التي تعني التصرف بشجاعة ونزاهة، وأكدوا أن هذه الظروف تتيح الفرصة لإعادة تقييم أولويات الحكومة وتعزيز قيم النزاهة والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا وتناولنت وسائل الإعلام هذه القضية بشكل موسع، إذ ركزت على وحدة المجتمع في مطالبته بالتغيير.
فقد تم استضافة خبراء في القضايا الإدارية، ونقاشات حول كيفية تنفيذ سياسات فعالة لمكافحة الفساد.
بينما اعتبرت بعض المنابر الإعلامية أن هذه الفضيحة ليست إلا جزءًا من صورة أكبر، حيث تتكرر مثل هذه الأحداث في عدة مناطق، مما يستدعي استراتيجية شاملة للإصلاح.
بقي أن نشير إلى أن قضية والي كلميم تقف كاختبار حقيقي للحكومة المغربية ولوزير الداخلية، وهي دعوة للتفكير في كيفية تمكين المواطنين من أدوات فعالة لمحاسبة المسؤولين، بحيث إن المجتمع بحاجة إلى ثقافة جديدة قائمة على الشفافية والمشاركة الفعالة، وأن تتجسد القيم الحقيقية للعدالة في العمل العمومي.
كما يتطلب الوضع الحالي تفعيل آليات الرقابة وتطبيق القوانين بصرامة، لتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم والنجاح في التعامل مع هذه القضية قد يمثل نقطة تحول نحو تحسين الإدارة العمومية، وضمان مستقبل أفضل لإقليم كلميم، يضمن حقوق الجميع ويعزز من قيم العدل والمساواة.
فالتحديات أمامنا كثيرة، لكن كل أزمة تحمل في طياتها فرصة للتغيير وتحقيق التقدم.
و يبقى الأمل في أن تثمر جهود المجتمع والسلطات نحو تحقيق تنمية مستدامة، وغرس قيم جديدة تعيد الإصلاح إلى الواجهة، وتضع مصلحة المواطن في قلب كل قرار.
إن سلوك الوالي غير مبرر ويفتح الباب على مصراعيه أمام تاويلات عدة وقراءات متعددة، وقد تشكل بؤرة للصراع وبث الفرقة ونشوب الحروب الصامتة بين مختلف أجهزة الدولة وهو أمر مرفوض.
وما فتأ جلالة الملك يوصي بالوحدة ولم الشمل ورص الصف بعيدا عن المزايدات السياسية والاعتبارات القبلية والفروق اللغوية والعرقية والجنسية واللونية والجهوية والقبلية وغيرها.
فالمغرب ملك للجميع وعلى الجميع احترام الجميع في أي موقع وفي أي مكان وفي أي زمان لا فرق لأحد على الآخر إلا بالتقوى وحب الوطن والدفاع عنه بالغالي والنفيس وفداؤه بالروح والدم.
التعليقات مغلقة.