الانتفاضة // إلهام أوكادير
في خبر محلي جديد، تمكنت المصالح الأمنية للشرطة القضائية بمدينة مراكش، من القبض على المتهم المدعو (س.ج)، المعروف بلقب “فركوس”، بعد صدور مذكرة بحث وطنية في حقه، من طرف المركز القضائي للدرك الملكي بورزازات.
وجاءت عملية التوقيف بعد سلسلة من الشكايات التي توصلت بها النيابة العامة لدى محكمة الإستئناف بورزازات، والتي بلغ عددها سبع شكايات، قدمها و صرح بها العديد من المشتكون، الذين أكدوا تعرضهم لعمليات احتيال و نصب، نفذت من طرف المشتبه فيه.
وحسب المعطيات المتوفرة إلى حد كتابة هذه السطور، فقد كان المتهم يوهم ضحاياه بأنه موظف بذات المحكمة، مدعما ذلك بادعائه امتلاكه علاقات قوية مع قضاة ومسؤولين قضائيين، تمكنه من “تسوية الملفات القضائية” أو “التدخل لحل القضايا العالقة” مقابل مبالغ مالية كبيرة، و أن هذه الادعاءات الكاذبة، هي ما مكّنته من الإيقاع بعدد من الضحايا الذين وثقوا في وعوده، قبل أن يكتشفوا زيفها.
وقد تم تسليم الموقوف إلى عناصر المركز القضائي للدرك الملكي بورزازات، حيث تم الاستماع إلى أقواله في إطار البحث التمهيدي، حول مختلف الشكايات المسجلة ضده، ليُوضع بعد ذلك تحت تدبير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في انتظار إستكمال التحقيقات القضائية.
جدير بالذكر أن المعطيات نفسها، تؤكد أن المتهم “فركوس” من ذوي السوابق العدلية، حيث سبق له أن تورط في قضايا مماثلة في فترة ماضية، توبع على إثرها قضائياً بعقوبة حبسية، لم تكن كافية لصدّه عن أفعال النصب و الإحتيال على ما يبدو.
وقد أحيل المتهم، بعد إنتهاء البحث معه على وكيل الملك بالمحكمة الإبتدائية بورزازات، الذي قرر متابعته بتهمة مركبة تشمل “النصب مع حالة العود، وانتحال صفة ينظمها القانون، بالإضافة لإهانة رجال القضاء، وأخيرا المشاركة في فعل الإرتشاء”.
وكما تابعنا، فإن هذه الواقعة تعيد تسليط الضوء من جديد على ظاهرة إنتحال الصفات المهنية، هذا الفعل الخطير بالنظر لارتباطه بالمؤسسات الحساسة كالجهاز القضائي، في محاولة لاستغلال ثقة وسذاجة المواطنين، وتحقيق مكاسب بطرق غير مشروعة.
إلا أن الواقعة من جانب آخر، تكشف عن علة لم نستطع إلى الآن تصنيفها، أهي إجتماعية، أم أخلاقية، أم نفسية، والتي تتمثل بالأساس في سعي الأفراد للحصول على خدمات بطرق غير مشروعة، وخفية، في تحريف خارق للمساطر القضائية.
ليتجلى هنا سؤال محوري لا يمكن التغاضي عنه، ألا وهو: لماذا يلجأ المتقاضون إلى البحث عن من يسدي لهم خدمات تحت مسمى “القضية مربوحة”، وهم يمارسون حقا دستوريا وقانونيا يُفترض فيه أنه يحمي حقوقهم و أن ينصفهم؟
أهي أزمة الثقة المتدهورة ومنذ عقود بين المتقاضي و أجهزة القضاء؟ أهو تطبيق أعمى لمقولة “حقك هاهو ولكن خصك تشريه”، هذه الجملة التي كثيرا ما يكررها سماسرة بعض العناصر الفاسدة ضمن أجهزة القضاء، الذين لا تقيمون للشخص وزنا إلا بما يقدمه لهم من أموال، في ضرب خارق لمبادئ العدل والإنصاف، التي يفترض أن تحكُم قرارات و تقديرات القضاء؟
أم أن تلك الفئة المواطنين الذين ألِفوا قضاء مصالحهم بطريقة مماثلة، هم من يزيدون من أطماع المرتشين و يشجعون على هذا الفعل الشنيع، الذي يمس الأشخاص في حقوقهم و ممتلكاتهم الشخصية؟، أم أن حب المال و الرغبة في الحصول عليه بطرق سريعة يعمى البصيرة الإنسانية إلى هذا الحدّ؟.
فالمدعو “فركوس”، ليس سوى مثالا واحدا عن فئة واسعة تمتهن الفساد الأخلاقي في كل مسألة، غير آبهين لما يترتب عن ذلك من إختلالات وظلم مجتمعي، يجعل من حياة البعض غيمة سوداء، بسبب ما يتجرعونه من مشاعر إقصاء و تظلم و “حكرة”، بسبب “مرتشِ” و “راشِ” و سمسار لعوب، ينهش الإثنان معاً.
لقد آن الأوان لتستقيم الأمور، وليتم الضرب من حديد على يد كل عنصر فاسد، يجعل من طريق الحق والقانون دِهليزا للتلاعب و تحقيق المآرب الشخصية القذرة، لقد آن الأوان لكي نسترجع ثقتنا في أهم وأسمى جهاز بالبلاد، نلتجأ إليه بالشكوى و المطالبة بالحق بعد الله، آن الأوان لنستشعر القيم الإنسانية والأخلاقية، لتهدأ نفوس المظلومين والمستضعفين وذوي الحقوق، ليتأكدوا بأنه سيتم إنصافهم لأن هناك قضاء نزيها وُجد ليضمن حقوقهم، ولِيَهمَد كل متجبّر بلطجي، اعتاد السّطو و الإعتداء على من هو أضعف منه.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم على ضرورة رفع الوعي القانوني لدى المواطنين، وتشديد المراقبة على مثل هذه الممارسات التي تسيء إلى سمعة وعناصر العدالة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
التعليقات مغلقة.