الانتفاضة
تشهد الساحة الإعلامية المغربية توتراً خاصاً، بعدما تم الكشف أخيراً عن مشروع القانون الجديد، المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، هاته المسودة التي أثارت زوبعة من الإنتقادات الواسعة و ردود الأفعال الغاضبة من قبل النقابات المهنية والهيئات الصحافية، التي أبصرت فيه “انحرافاً خطيراً عن روح التنظيم الذاتي”، و”تراجعاً تاماً عن مكتسبات دستور 2011”، في ما يخص مبدأ حرية الصحافة واستقلالها، على حدّ تعبيرهم.
🔹 محتات الرقاص يقول: مشروع القانون “انقلاب تشريعي” وتهديد لصورة المغرب
ولن يفوتنا الحديث عن هذا الوضع دون الرجوع لما أفاد به “محتات الرقاص”، رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، حين هجوماً لاذعاً على المشروع، خلال ندوة صحفية نظمتها الهيئات الصحفية لكبرى بمدينة الرباط، عندما وصف الوضع بـ“الإنقلاب التشريعي”، الذي يقوّض ما راكمته المهنة من تجربة فريدة في التنظيم الذاتي و الإستقلالية.
وفي ذات السياق، أوضح “الرقاص” أن النص المقترح “جاء بصيغة أحادية ودون الإستشارة المُفترضة للمؤسسات الدستورية المعنية، ولا للفاعلين في القطاع”، مضيفاً أن الحكومة، تجاهلت المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المجلس الإقتصادي والإجتماعي، والبيئي في مرحلة الإعداد، وهو ما يعدّ، بحسبه، “تراجعاً مُقلقاً في منهجية التشاور الديمقراطي”.
كما انتقد “الرقاص” بشدة إلغاء المشروع لمبدأ الانتخاب داخل المجلس الوطني للصحافة، معتبراً ذلك “تكريساً واضحاً لمنطق التعيين السياسي على حساب التمثيلية الديمقراطية”، محذّراً من أن “إعادة تشكيل الحقل الإعلامي وفق مقاسات سياسية جاهزة”، من شأنها الإضرار بصورة المغرب لدى شركائه الدوليين، في إشارة واضحة لمدى شرعية و صدقية هاته التمثيليات التي سيتم تعيينها وفقا لإطار يخلو من الإنتخابات، التي تبقى خير وسيلة للتمثيلية الحقة و الشرعية.
🔹 عبد الكبير أخشيشن يصف الوضع ب: “تراجع خطير يهدد استقلال المهنة”
أما من جانبه، فقد وجّه “عبد الكبير أخشيشن”، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، تحذيراً قوياً لهذا المشروع، من “الانزلاق التشريعي” الذي يحمله، في تحذير جادّ، لم يخلو هو الآخر من التنبيه لما تجرأ عليه المقترح الجديد، من مساس واضح بجوهر التنظيم الإعلامي، مؤكداً أن ما يجري “يتجاوز مجرد تعديل قانوني، إلى تغيير جوهري في علاقة الدولة بالمهنة”.
وقد أضاف في السياق ذاته، أن المشروع “يُجهز على تجربة التنظيم الذاتي، التي راكمها المغرب لأكثر من عقد، وكونه يضرب في عمق فلسفة الإستقلال المهني ووحدة الجسم الصحافي”، لافتاً إلى أن مجرد استمرار اللجنة المؤقتة لتسيير المجلس بعد انتهاء ولايتها “يعد اخرق دستوريا صارخاً، يقوّض الثقة في المؤسسات”، مُذكراً في الوقت ذاته، بأن النقابة نبّهت إلى خطورة التأخر في الإصلاح منذ سنتين، ما بات يكلّف المهنة حريتها ومصداقيتها”.
🔹 إحتجاج مهني مرتقب أمام البرلمان
وخلال ندوة مشتركة جمعت من جهة النقابة الوطنية للصحافة المغربية والفيدرالية المغربية لناشري الصحف وعدداً من الهيئات المهنية من جهة أخرى، عبّرت خلالها عن رفضها القاطع للصيغة الحالية للمشروع، معتبرة إياه أنه صيغ بمنطق فوقي يُقصي الفاعلين الميدانيين، يكرّس سلطة الوصاية السياسية على القطاع.
في خضم هذا الجدل الملتهب، وتعبيرا عن هذا الإستياء الإعلامي، تستعد العاصمة الرباط لاحتضان وقفة إحتجاجية غير مسبوقة أمام البرلمان، وذلك يوم الأربعاء ال22 من أكتوبر الجاري، بدعوة من النقابات والهيئات الصحافية، تعبيراً من طرفهم عن ما وصفوه، بـمحاولة إفراغ المجلس الوطني للصحافة من مضمونه الديمقراطي”.
🔹 غياب للحوار … وقلق من المسار التشريعي
ورغم تعدد الدعوات إلى التريث وفتح مشاورات موسعة لتدارس هاته الإختلالات التي وُصفت بالجوهرية، إلا أن هاته النقابات، تصر من جانبها على أن “غياب الحوار الجدي”، سيهدد بتوسيع الهوة بين الحكومة والجسم الصحافي، مؤكدة في الوقت ذاته أن الوقفة المقبلة، “ليست سوى بداية لمسار نضالي مفتوح”، يهدف إلى الضغط من أجل “قانون ديمقراطي” يعيد الإعتبار للمهنة ويحترم مكتسبات دستور 2011، التي لطالما وُصفت فترة العمل بها، بالمرحلة المُضيئة .
وفي انتظار ما ستؤول إليه مناقشات المشروع داخل مجلس المستشارين، يبقى مستقبل المجلس الوطني للصحافة واقفا عند مفترق طرق حاسم بين خيارين لا ثالث لهما:
إما تعزيز تجربة التنظيم الذاتي وتطويرها، أو الإنزلاق نحو نموذج وصائي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
فهل ستستجيب الحكومة لصوت المهنيين وتفتح حواراً شفافاً، يصلح ما أخفقت في تنظيمه قبل تمرير القانون، أم أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة من التحكم في المجال الإعلامي، ستُعيد النقاش لا محالة حول حدود حرية الصحافة ومفهوم الإستقلال المهني إلى الواجهة؟ + فيديو
التعليقات مغلقة.