الانتفاضة
يشهد قطاع صناعة السيارات العالمي حالة من المخاض و الإرتباك، و ذلك بعدما فرضت الصين قيوداً جديدة على تصدير المعادن النادرة التي تُعد العمود الفقري لصناعة السيارات الكهربائية. هذا القرار جعل كبريات الشركات تتسابق من أجل إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد و توقيع إتفاقيات جديدة لضمان إستمرار الإنتاج في مواجهة “سلاح بكين الإقتصادي”.
فالمعادن النادرة لم تعد مجرد مواد خام، بل أصبحت أداة نفوذ جيوسياسي تتحكم في مصير واحدة من أهم الصناعات الحديثة.
فمنذ أن أعلنت بكين عزمها تشديد صادراتها من المعادن النادرة المستخدمة في صناعة البطاريات و المحركات الكهربائية و الرقائق الدقيقة، بدأت الشركات الغربية، من أوروبا إلى أمريكا الشمالية، في مراجعة سلاسل توريدها بشكل عاجل، خوفاً من أن تجد نفسها رهينة قرارات جيوسياسية لا ترحم. و يُنظر إلى هذه الخطوة الصينية كرسالة واضحة مفادها أن التفوق في تكنولوجيا السيارات الكهربائية لن يكون بعيداً عن لعبة النفوذ الإقتصادي.
هذه العناصر، مثل النيوديميوم و الديسبروسيوم، تمثل القلب النابض للمحركات الكهربائية الحديثة، و لا يمكن لأي مصنع سيارات، مهما بلغت قدرته، الإستغناء عنها دون خسارة في الكفاءة أو الموثوقية. و مع سيطرة الصين على أكثر من 80% من إنتاج هذه المواد عالمياً، تبدو الخيارات محدودة أمام المنافسين، ما يدفع العديد من الدول إلى إطلاق مشاريع طموحة للتنقيب و التكرير المحلي في محاولة لإستعادة التوازن الصناعي.
و في خضم هذا السباق الدولي، يبرز المغرب كقوة إقليمية صاعدة في مجال صناعة السيارات، مستفيداً من موقعه الجغرافي الإستراتيجي، و إستقراره السياسي، وت وجهه الطموح نحو التحول الصناعي الأخضر. فقد تمكنت المملكة من ترسيخ مكانتها كثاني أكبر مُصدّر للسيارات في إفريقيا و العالم العربي، و أول قطاع مصدر على الصعيد الوطني، متجاوزاً الفوسفات من حيث القيمة التصديرية.
و وفقًا لبيانات وزارة الصناعة و التجارة المغربية، بلغت صادرات قطاع السيارات حوالي 180 مليار درهم سنة 2024، بزيادة تفوق 30% مقارنة بسنة 2023، في حين تجاوز حجم الإنتاج السنوي 700 ألف سيارة، منها نسبة متزايدة من السيارات الكهربائية و الهجينة. كما يحتضن المغرب اثنين من أكبر المصانع في إفريقيا، التابعين لـ“رونو” بطنجة و “ستيلانتيس” بالقنيطرة، اللذين يوجهان أكثر من 90% من إنتاجهما للتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
و تسعى المملكة اليوم إلى تعزيز تموقعها في سلسلة القيمة العالمية للسيارات الكهربائية، من خلال الإستثمار في صناعة البطاريات و إستغلال ثروتها المعدنية، خاصة في الكوبالت و المنغنيز، و هما عنصران حاسمان في تصنيع بطاريات الليثيوم الحديثة. و قد شرعت الحكومة في مفاوضات مع شركاء آسيويين و أوروبيين لإقامة مصانع متخصصة في هذا المجال، ما يجعل المغرب مرشحاً لأن يصبح منصة إقليمية رئيسية لتصنيع السيارات الكهربائية في القارة الإفريقية.
و يرى مراقبون أن المغرب، بفضل سياسته الصناعية المندمجة و توجهه نحو الطاقات النظيفة، قد يكون من بين الرابحين في المعادلة الجديدة لصناعة السيارات، خاصة إذا تمكن من جذب إستثمارات في مجال المعادن النادرة و معالجتها محلياً. فبينما تخوض القوى الكبرى صراع السيطرة على الموارد، يبدو أن الرباط تسلك طريقاً أكثر ذكاءً يقوم على الإبتكار، و التكامل الصناعي، و الإستثمار في المستقبل الأخضر.
و في وقت تتخوف فيه الشركات الغربية من “الإحتكار الصيني”، يواصل المغرب بثقة بناء نموذج صناعي متوازن، يربط بين الكفاءة الإقتصادية و الإستدامة البيئية، ليؤكد مرة أخرى أنه ليس مجرد طرف في المعادلة العالمية، بل فاعل مؤثر في صناعة سيارات الغد.
هل سيتحول المغرب إلى أحد مراكز الثقل الجديدة في صناعة السيارات الكهربائية ؟ في وقت يبحث فيه العالم عن بدائل آمنة و مستقرة خارج فلك الصين.
التعليقات مغلقة.