“الله ينصر من صبح”..و”البيرة الفاسدة”..و”الخطأ المطبعي”..من مغرب البكاي إلى مغرب أخنوش،، ماذا تبدل في المسار السياسي المغربي المعاصر؟

الانتفاضة // إبراهيم السروت

منذ فجر الاستقلال، ومنذ حكومة البكاي وصولا إلى حكومة الملياردير عزيز أخنوش رئيس الحكومة الحالية، لم يستطع أي وزير أن يصرح أمام الملأ بأخطائه وعثراته ولا أن يقول للعالمين، انا مخطئ في كذا أو متهاون في كذا أو لي مطبات وكوارث في كذا،  فضلا على الإستقالة من منصبه إذا ما ثبت أنه مقصر في موضوع ما، أو في ملف ما، أو في ورش ما.

لماذا؟

لأنه ببساطة المصلحة الشخصية تغلب طبع هؤلاء على وذلك على حساب المصلحة الوطنية.

نقولها وبكل صراحة وبمنتهى الصدق.

لم يثبت في تاريخ المملكة الشريفة والضاربة في أعماق التاريخ لأزيد من 12 قرن، أن أحد الوزراء كيف ما كان انتماؤه يمينيا أو يساريا أو إسلاميا أو ليبراليا، سبق له أن اعترف بأخطائه أو  قدم استقالته من منصبه.

ويبقى السؤال المطروح؟

لماذا لا يتصرف الوزراء عندنا في مملكتنا الشريفة وعلى غرار باقي الحكومات في البلدان الأخرى في أوربا وأمريكا، حيث بمجرد ما يرتكب أحد الوزراء أو المسؤولين خطأ ما أو يكون مسؤولا عن كارثة ما يسارع إلى تقديم استقالته إبراء لذمته واعترافا بأخطائه وتخفيفا للإحتقان الشعبي الذي قد يلاحقه؟.

وينطبق الأمر على كل الحكومات العربية والإفريقية، بينما يختلف الأمر لدى الحكومات الأوربية والأمريكية، بسبب جسامة المسؤولية التي يتحملونا وتبعاتها السياسية والاجتماعية.

لكن للأسف الشديد في حكوماتنا العربية والإفريقية يبقى المسؤول الحكومي والوزير في منصبه رغم الأخطاء والكوارث والمدلهمات إلى أن يشاء الله تعالى، أو أن يأتيه ملك الموت على حين غرة.

وهذا ما ينطبق عليه المثل الشعبي الدارج والذي سار على كل لسان، حيث تروي الرواية أنه اصطحب شخص من فاس رجلا آخرا من مراكش ودارت بينهم الحكاية التالية:

فقد قال الرجل الفاسي للمراكشي “الله ينصر من صبح”.

هذا المثال كان يضرب في زمن (السيبة) والفوضى التي كان يعيش عليها المغرب والمغاربة آنذاك، وتقمص الرجلان الدور المراكشي والفاسي والذين جمعتهم مقهى في مدينة فاس، ودار بينهم الحديث في مختلف المواضيع، وكان أهمها الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

حيث كان الناس يبايعون ملكا نهارا ويأتي البلطجية ويقتلونه ليلا وهكذا دواليك، ومع مرور الأيام والشهور والسنوات أصبح الناس يبايعون ملكا في النهار ويقتل مساء ليبايعوا ملكا آخرا جديدا.

وهكذا دواليك.

حتى صار هذا المثل حديث العام والخاص في المنتديات والمقاهي وغيرها.

والغريب في الموضوع أن هذه القصة تنطبق شكلا ومضمونا على المسار التاريخي والسياسي للبلاد والذي كان ولا زال مليئا بالأحداث والمتغيرات حيث اعتاد المغاربة على (نصرة من صبح) في المسؤولين والحكوميين وكل من أوكلت إليه مهمة من المهمات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

كما ينطبق هذا المثل على المسار السياسي للمملكة الشريفة من حكومة البكاي وصولا إلى حكومة أخنوش، هذا الأخير الذي تم تنصيبه بناء على أنقاض حكومة العدالة والتنمية والتي دامت 10 سنوات بالكمال والتمام.

فكيف وصل أخنوش إلى حكومة المملكة يوم 8 شتنبر من سنة 2021؟.

فهل بطريقة ديمقراطية ونزيهة وشفافة؟ أم بغير ذلك للأسف الشديد؟،

أم ب (الكوطا) كما كان يهندس ذلك عراب الانتخابات الراحل ادريس البصري رحمه الله، أيام حكم الحسن الثاني عليه رحمة الله تعالى؟.

البصري رحمه الله والذي كان يوزع الخريطة السياسية حسب هواه وحسب منطقه وتفكيره، يشكل الأغلبية التي يريد والمعارضة التي يريد، والوسط الذي يريد، كما يدين الحزب الذي يريد ويقرب الحزب الذي يريد ويبعد الحزب الذي يريد ويحارب الحزب الذي يريد.

حيث كان البرلمان المغربي في زمن عراب الانتخابات ومهندس الخريطة الانتخابية يتكون من شقين أساسيين هما:

  • الشق المباشر الذي ينتخبه المواطنون.
  • والشق غير المباشر و المتكون من كبار المنتخبين والآتون من الجماعات والغرف الفلاحية والتجارية والصناعية والخدمات.

فعراب الانتخابات ادريس البصرري ، كان في زمن الحسن الثاني رحمة الله  عليهما، العين التي لا تنام، وكان واحدا ممن أنتجهم التاريخ السياسي المعاصر.

فالتاريخ السياسي المعاصر يذكر للراحل البصري مساهماته الفعلية في تحنيط المشهد السياسي وتنميطه وإخراجه حسب المتفق عليه بدون زيادة ولا نقصان.

وذلك عبر التحكم في الصناديق الإنتخابية وعدد المرشحين ونوعيتهم وتوجهاتهم وعدد أصواتهم، ليحقق ما يسمى بالتوان السياسي والماكرو  إقتصادي والمحافظ على مركزية القرار في يد البصري لا غير.

فالإنتخابات عبر مرور الأزمنة كانت تؤطرها وتسهر عليها أم الوزارات وخاصة في زمن البصري، وليس كما يروج الآن بعض المثقفين وأشباه المثقفين وبعض السياسيين ليوهمونا بأن الإنتخابات إنما تشرف عليها رئاسة الحكومة.

في أضحوكة لا يقبلها عقل ولا منطق، وهو ما يشجعهم على أن يبادلوا رئاسة الحكومة السب والشتم والقذف كما هو حاصل مع أخنوش مثلا، وخاصة في الأيام القليلة الماضية أو قل لمدة 5 سنوات على الأقل.

لماذا؟

فالملاحظ أن ذاكرة المغاربة قصيرة جدا وتنسى بسرعة البرق.

إن المتتبع للشأن العام المغربي ليلاحظ بأم عينيه بأن الداخلية وبما لا يدع مجالا للشك، هي المسؤولة اولا وأخيرا على هندسة الانتخابات، والتأطير لها والحرص عليها حتى تخرج كما أرادت أم الوزارات، وليس الوزير الأول أو رئيس الحكومة كما يروج لذلك أشباه المثقفين للأسف الشديد.

ولذلك أذكر المغاربة وكذا المتتبعين للشأن العام سياسيا على الأقل، بأن جميع الاتخابات التي عرفها المغرب، ولا زالت إلى يوم الناس هذا وستبقى ما بقيت المنظومة السياسية على حالها تابعة لوزارة الداخلية.

فكل وزراء الداخلية الذين مروا على المغرب و عبر الحكومات المتعاقبة، كانوا يسهرون بشكل مباشر على الانتخابات من ألفها إلى يائها.

أما حكاية استقبال وزير الداخلية للولاة والعمال مؤخرا في إطار التهييئ للانتخابات القادمة سنة 2026، إضافة إلى استقبال الفاعلين السياسيين، وإبعاد أخنوش عن ذلك ولو رمزيا، لهو المعمول به في المغرب منذ زمن بعيد لو كان أشباه المثقفين يفهمون شيئا في السياسة والسياسيين.

أما الإدعاء بأن السهر على الانتخابات هو من اختصاص رئيس الحكومة فهو لعمري خطأ مطبعي لا أقل ولا أكثر.

نقطة نظام:

أيها السياسيون والحقوقيون والمنتخبون والإعلاميون،،،

إعلموا رحمكم الله،،،

أن الانتخابات في المغرب هي من اختصاص وزارة الداخلية منذ عهد البكاي وصولا إلى عهد أخنوش ومنذ زمن البصري وصولا إلى عبد الوافي الفتيت.

وفي هذا الصدد أذكر وزيرين قدما مرافعات متميزة وأبانوا عن حس وطني كبير.

و يتعلق الأمر بالنقيب المناضل الأستاذ محمد زيان والذي وقف في وجه حملة التطهير في مطلع تمانينات القرن الماضي وفي عز سطوة ادريس البصري رحمه الله ووقوفه في وجه النكتة المعروفة ب (البيرة الفاسدة).

والتي ألقى فيها زيان كلمة للتاريخ ووقف في وجه البصري آنذاك وألقى باللائمة على حكومة عبد اللطيف الفيلالي وقال:

“كيف يسمح (للبيرة الفاسدة) أن تذخل إلى الأرض المغربية في غياب الرقابة الحكومية (الجمارك)؟

أليس هذا عيبا ومثلمة؟

نعم إنها كارثة وأنا أمام هذا الوضع أقدم استقالتي وأنا وزير لحقوق الإنسان.

ولا يمكنني أن أشارك في هذه المهزلة والأضحوكة للأسف الشديد.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف:

 “مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” رواه مسلم.
وشدد الشيخ ولد الددو على ضرورة تحقق رؤية المنكر وتحقق وقوعه، ثم يأتي تغييره بحسب درجات الإستطاعة الثلاث: تغييره باليد وباللسان وبالقلب، مؤكدا أن بعض المنكرات يكفي تغييرها باللسان.
ف (البيرة الفاسدة) غزت المغرب والمغرب وأنا كمسؤول حقوقي لا يمكنني أن اكون مشاركا في هذه الحملة الشرسة التي تريد أن تغطي الشمس بالغربال للأسف الشديد.
زيان الذي  امتلك الجرأة الزائدة والشجاعة القوية من أجل أن يقول كلمة الحق وفي موضعها وفي وقتها وفي إبانها ولا يخاف في ذلك لومة لائم.
فقد قال للرئيس في حكومة الفيلالي كفانا عبثا، وكفانا استهثارا بالمغرب والمغاربة.
كما أن (البيرة الفاسدة) استوطنت سوق الكلب بسلا والقريعة ودرب غلف بالبيضاء وغيرها من أحياء وأزقة المغرب، ونأتي اليوم لنقول العكس ونقوم بحملة تطهير لا تبقي ولا تذر ولن يستفيد منها إلا من ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب.

الرجل الثاني المعني بالإشادة في هذا الصدد يتعلق الأمر بوزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي والذي تم تعيينه في حكومة أخنوش خلال التعديل الحكومي الأخير، كان ولا زال نموذجا لرجالات الدولة الذين كانت لهم الشجاعة كذلك لقول كلمة الحق والجهر بها والوقوف في سيل الاحتجاجات التي عمت بعض مستشفيات المملكة الشريفة وخاصة مستشفى الموت بأكادير، والذي رغم الصعوبات والعراقيل والمطبات، استطاع أن يزور مستشفى الموت بعاصمة سوس، وبعض المستشفيات بباقي مدن المملكة والوقوف على حجم الخصاص الذي تعانيه فضلا عن اتخاذ مجموعة من التدابير والتي ترمي إلى تجويد المنظومة الصحية.
فقد آن الأوان للمغاربة للوقوف وقفة احترام لهذا الرجل الذي استطاع أن يقف في وجه الإعصار الذي تشهده مستشفيات المملكة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها بسبب ضعف الخدمات الطبية للأسف الشديد.
فالرجل اعترف بالأخطاء المرتكبة ببعض المستشفيات، ووقف على حجم الخصاص الذي تعانيه هذه الوحدات الصحية، إضافة إلى أنه كانت له الشجاعة للوقوف في وجه الفساد الذي ينخر المشهد الصحي بالمغرب، على الرغم من عدم تقديم استقالته.
فلماذا لم يعمل أخنوش نفس العمل ويعترف على الأقل بالأخطاء والكوارث التي ألحقها بالمواطنين المغاربة؟.
ولماذا لم يقدم استقالته حتى يستريح منه المغرب والمغاربة؟
خاصة وأنه في زمنه وقعت الكوارث والمدلهمات والحوالق في كثير من الميادين، كالصفقات العمومية والبنية التحتية والفوقية والتي تستنزف المال العام استنزافا كبيرا لا يطاق.
هذا ونتمنى أن تحمل انتخابات 2026 أجوبة لعدد  كبير من الأسئلة، كان ولا زال المواطن المغربي يطرحها بإلحاح ولم يجد لها جوابا وخاصة في عهد حكومة  أخنوش التي حولت المغرب إلى ضيعة فلاحية لا يستفيد منها إلا أخنوش وحواريوه.
وإلى أن يستيقظ ضمير المسؤولين.
نعزي أنفسنا فينا.

التعليقات مغلقة.