الانتفاضة
في كل بيئة عمل، أو حتى في الأسرة والمجتمع، يظهر ذلك النمط المألوف: “العصفورة”، ذلك الشخص الذي يعيش على نقل الأخبار، يتغذّى من الأسرار، ويقتات على ثقة الآخرين.
هو لا يهاجم مباشرة مثل الذئب، ولا يتربص مثل الثعلب، بل يغرّد ببراءة مزعومة، بينما جناحاه يحملان ما يجمعه من أخبار ليقدّمها قربانًا لرؤسائه أو أصحاب النفوذ.
البُعد النفسي:
الشخص “العصفورة” ليس مجرد نمّام؛ بل هو شخص يعيش صراعًا داخليًا:
احتياج عميق للأمان: يخاف أن يخسر مكانه في العمل أو محيطه، فيبحث عن ضمان بوسائل ملتوية.
ضعف الثقة بالنفس: لا يؤمن أن كفاءته تكفي، فيعوّضها بالتقرب العاطفي أو بالتجسس الاجتماعي.
اللذة الخفية للسيطرة: يشعر بانتشاء حين يملك معلومة لا يملكها غيره، وكأنها سلاح سرّي.
البُعد الاجتماعي:
“العصفورة” يضر أكثر مما ينفع:
في بيئة العمل: يُفكّك الثقة بين الزملاء، فيتحوّل المكتب إلى ساحة شكّ، وتصبح الكلمات محسوبة كأنها في محكمة.
في الأسرة: من ينقل الكلام بين الإخوة أو بين الزوجين لا يبني جسورًا، بل يحرقها؛ النتيجة صراعات مستمرة.
في المجتمع: العصفورة قد تكون أداة سلطة، يراقب الجيران بعضهم بعضًا، فتذوب روح التضامن ويُستبدل بالأمان خوف دائم.
في بيئة العمل:
العصفورة يعرف كيف “يتقرّب”:
مرة بابتسامة ودودة،
مرة بتعاطف زائف مع زميل مُتعب،
مرة بمساعدة صغيرة تُخفي وراءها نية التجسّس.
ثم يحمل كل ما التقطه إلى مكتب المدير أو إلى أذن رئيسه، ليصنع لنفسه مكانًا “محميًا”، أو ليحصد ترقية.
لكنه لا يدرك أن هذه الاستراتيجية قصيرة الأمد؛ فالرؤساء أنفسهم يعرفون أنه سينقل عنهم يومًا ما.
الأثر في العلاقات الإنسانية:
في الصداقة: العصفورة صديق لا يُؤتمن، يحوّل لحظات الفضفضة إلى تقارير غير معلنة.
في الزواج: حين يتقمص أحد الطرفين هذا الدور، يزرع الشك بدل المودة.
في الحياة اليومية: وجود “العصفورة” في أي دائرة اجتماعية يجعل التواصل بارداً، مراقبًا، خاليًا من العفوية.
العصفورة لم تولد اليوم؛ في بلاط الملوك والسلاطين، كان دائمًا هناك مَن يعيش على نقل الأخبار.
في الأندلس، وفي قصور روما، وحتى في قصور الخلفاء، وُجدت شخصيات لا تحارب بسيف ولا بقلم، بل بلسانٍ يُحصي ويُسجّل.
بعضهم عاش طويلاً في الظل، لكن أغلبهم سقط حين اكتُشفت حقيقته.
“العصفورة” شخصية تعتقد أن النجاة في القرب من السلطة عبر وشاية ناعمة، لكنها لا تبني مستقبلًا ولا ثقة. على المدى البعيد، يخسر مكانته في القلوب، ويظل محاصرًا بالخوف من أن يُعامل بنفس طريقته.
فالحياة والعمل يحتاجان إلى الذكاء والمهارة لا إلى أجنحة واهية تُحلّق قليلًا ثم تسقط سريعًا.
التعليقات مغلقة.