الانتفاضة
بقلم محمد السعيد مازغ
كسرت جمعية الورشان لفن الملحون والتراث المغربي حرارة مراكش وروتينها بتنظيم يوم فرح واستجمام بالضيعة الغناء للأستاذ عبد العزيز الباكهوي بطريق اوريكا ، جمع فن الملحون وفن الكناوي والزجل والفكاهة والدقة المراكشية وحضرها عدد من الشعراء واهل الملحون والمنتمين للجمعية. وبذلك أكدت الجمعية مكانتها الاعتبارية داخل مدينة مراكش في زمن يُهمَّش فيه الجمال لصالح الاستهلاك، وتُداس فيه الهوية تحت عجلة التسطيح، تنهض جمعية الورشان لفن الملحون كواحة مقاومة، تستعيد الموروث الشفهي المغربي، وتحمله بشغف إلى الأجيال.
ليست الجمعية مجرد إطار ثقافي عابر، بل مشروع حيّ نابض، يشتغل برؤية واضحة، وإرادة جماعية صلبة، وسندٍ بشري من شيوخ الفن وكتّاب الكلمات، ممن نذروا أنفسهم لخدمة الملحون، لا كمجرد شعر موزون، بل كهوية تُغنّى، وذاكرة تُروى، وتاريخ يُحفظ في القلوب قبل الدواوين.
وليس غريبًا أن تواجه الجمعية بعض الرياح الصفراء التي تحاول التشويش على مسارها أو النيل من مكتبها، فهذه المحاولات البائسة لا تستهدف الجمعية في حد ذاتها، بل تطعن في ذاكرة مراكش الحيّة، وفي أحد أعمدة الخصوصية الثقافية المغربية. من يراهن على إطفاء هذا الشعاع، يجهل أن الملحون ليس تراثًا للماضي فقط، بل هو تعبير حيّ عن وجدان الناس، وحسهم الجمالي، وارتباطهم العميق بالأرض. ومن يظن أن بالإمكان كسر هذه التجربة، فهو كمن يحاول القبض على الريح.
لقد برهنت جمعية الورشان، في كل محنة، على أن الصدق والمثابرة والتجرد والعشق الحقيقي للفن، هي أسلحة لا تُقهر. وما دامت تستمد قوتها من عمق رسالتها، ومن جمهورها العاشق، ومن حرارة الحناجر التي تحفظ وتغني، فإنها باقية، صامدة، بل متجددة. ولن يثنيها زلزال، ولا تُرهبها زوبعة، ما دام القلب يخفق بالملحون.
الجمعية اليوم في حاجة للدعم والتحفيز والتقدير ، بصفتها امتدادا لمشروع ثقافي لا يجب ان يخضع لحسابات ضيقة او مزاجية او ادارية، وباختصار فهي ليست مجرد جمعية بملف إداري ورقم ترتيبي، بل بيت مفتوح للذاكرة، وفضاء للتربية الجمالية، ومنبر حرّ للشباب العطشى إلى فنّ ومعنى. صوتها لن يُسكت، وضوؤها لن يُحجب احب من أحبَّ وكَرِهَ من كره.
التعليقات مغلقة.