الانتفاضة
في حيّ متواضع، حيث الحياة تمضي رغم قسوتها، نشأ رضى حاملاً مسؤوليات تفوق عمره. لم يعرف طفولةً كغيره، فقد كانت عائلته بحاجة إلى سند، ولم يكن أمامه خيار سوى أن يكون ذلك السند. كان والده، إمام المسجد، يعيش على منحة زهيدة وبعض المساعدات، لكنه كان ينفق بسخاء، خاصة على رحلاته المتكررة إلى قريته البعيدة، تاركًا خلفه أسرة بالكاد تجد قوت يومها.
ثم جاء اليوم الذي كسَرَ روحه قبل أن يكسر جيبه… مرضت والدته، فبدأ سباقه المحموم بين العيادات والصيدليات، يقترض، يضاعف ساعات عمله، يحرم نفسه من أبسط احتياجاته، لكنه في النهاية وقف عاجزًا أمام قدر لم يمهله. رحلت والدته بين يديه، تاركةً داخله فراغًا لم يملأه شيء. بالكاد التقط أنفاسه حتى وجد نفسه أمام محنة جديدة… سقط والده مريضًا، ليبدأ فصل آخر من التضحيات التي لم تكن لها نهاية.
مع تزايد الديون، اضطرت أخواته للعمل، بينما اختار أخواه الهروب. أحدهما انسلخ عن الأسرة تمامًا، والآخر تاه في طرق الضياع، حتى انتهى به المطاف خلف القضبان. وبينما كانت الأيام تسلبه شبابه وأحلامه، لم يكن يجد من يشد أزره. كان وحيدًا أمام مسؤولية تزداد ثقلًا، ومع ذلك، ظل متمسكًا بوصية والده: “لا تتخلَّ عن إخوتك.”
حاول أن يكون لهم الأب والأم، أن يحميهم من قسوة الحياة، لكن الزمن لم ينصفه. كلما ضحى من أجلهم، وجد منهم جحودًا قاسيًا، وكأنه وحده المسؤول عن خيباتهم. كانوا يحملونه ذنب أحلامهم الضائعة، رغم أنه كان الوحيد الذي ظل واقفًا ليحميهم من السقوط. ومع مرور الأعوام، رحلوا جميعًا، تاركين خلفهم بيتًا فارغًا وصمتًا ثقيلًا.
بلغ سن التقاعد منهكًا، جسده يخونه كما خانه الجميع، والسكري ينهش ما تبقى له من قوة. لم يعد يسمع عن إخوته شيئًا، حتى علم أن أحدهم يقبع في السجن، والآخر يعيش حياته في مدينة بعيدة، كأن لا ماضٍ يربطه به. بات وحيدًا، بلا زواج، بلا إخوة، بلا يد تمتد إليه حين يحتاجها.
لم يبقَ له سوى قبر والدته، حيث كان يقف طويلًا، يحادثها كأنها الوحيدة التي لم تخذله، يخبرها عن الأيام التي سرقت منه عمره، عن الجراح التي لم تندمل، وعن الحب الذي أعطاه ولم يجد له صدى. عند ذلك القبر، كان يجد راحته الوحيدة، يحكي ويبكي، ليس لأن أحدًا يسمعه، بل لأنه لم يعد هناك من يسمع.
التعليقات مغلقة.