الانتفاضة : تأملات رمضانية
بقلم محمد السعيد مازغ.
في ليلة رمضانية هادئة، جلست في مكتبي أسترجع أحداث اليوم التي جعلتني أعيد التفكير في حكمي على الناس. لم أكن أدرك أن هذا اليوم سيحمل لي درسًا لا يُنسى عن التريث وعدم التسرع في الحكم. بدأت الحكاية حين تلقيت دعوة لحضور جلسة نقاشية في أحد الفنادق الفاخرة. دخلت القاعة فصادفت مجموعة من الزملاء الصحفيين يتبادلون النكات، وأصوات الضحكات تتعالى بينهم. كان أحد المسؤولين يرمقهم بنظرات جامدة ، كانت ملامحه توحي بحيرة كبيرة ، كان المسؤول يشعر أنهم غير جادين، فقرر المغادرة قبل أن يبدأ النقاش. لكن شيئًا في داخله منعه من الخروج، ربما إحساسه بالالتزام، أو فضوله لمعرفة إن كان حدسه في محله.
وما إن بدأ النقاش، حتى فوجئ بمدى عمق الأفكار المطروحة، وتدفق الحجج القوية، واتساع معرفة هؤلاء الذين كان قد ظنه غير مؤهلين. شعر بالخجل من تسرعه، وأدرك أن الحكم على الناس لا يجب أن يكون من خلال لحظة عابرة أو مظهر خارجي. وفي ختام الجلسة، لم يتردد في الاعتراف أمام الجميع: “اليوم تعلمت درسًا ثمينًا… لا تحكم على الكتاب من غلافه.”.
وفي موقف آخر، كانت سيدة تتابع إحدى قنوات التواصل الاجتماعي، حيث ظهر شخص ذو لحية وقسمات هادئة، يروج لوصفات عشبية “مجرّبة ومضمونة”. تأثرت بمظهره الوقور، وبطريقته في الحديث التي توحي بالمعرفة، فقررت تجربة إحدى وصفاته لعلاج صداعها المزمن. لكن بعد أيام، تفاقمت حالتها، وحين استشارت طبيبًا، اكتشفت أن ما تناولته كان مجرد خليط عشبي غير مدروس قد يسبب مضاعفات خطيرة. حينها، أدركت أن المظهر لا يعني الحقيقة، وأنه لا بد من التحقق والبحث قبل تصديق أي ادعاء. وفي الجانب الآخر من الحياة، كان “عبد اللطيف” يبحث عن شريك تجاري موثوق، حتى التقى برجل أنيق يرتدي بدلة باهظة الثمن، يقود سيارة فخمة، ويتحدث بثقة. لم يتردد حسام في توقيع عقد الشراكة معه، لكنه لم يكن يعلم أن خلف هذه الهالة البراقة، يختبئ محتال محترف. لم يمضِ وقت طويل حتى اكتشف الخدعة، لكن بعد فوات الأوان.
رمضان ليس مجرد شهر للصيام عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة للصبر والتأني والتروي. يعلمنا أن الحقيقة تكمن في الجوهر، وليس في المظاهر الخادعة. وكما أن الحكم على الكتاب لا يكون من غلافه، كذلك الحكم على الناس يحتاج إلى تعمق وفهم. ففي عالمنا هذا، ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل صمت دليل ضعف، ولا كل ضحكة تعني قلة جدية
التعليقات مغلقة.