ضرورة مراجعة مفهوم الأمية لدى شعراء الملحون

الانتفاضة // د // مولاي علي الخاميري // أستاذ جامعي – مراكش

لطالما شدني الانتباه إلى التعارض الواقع بين شيوع نعت شعراء الملحون بالأمية ، وهو السائد المتحكم ، وبين مضامين شعرهم الرائقة والمتناقضة مع الوصف المذكور ، وكنت أتساءل حول ذلك التعارض ، هل هو حقيقة ؟ هل يقاس بمقاييس خاصة بشعر الملحون ؟ هل له معايير لا نعرفها ؟ كيف يمكننا درء التعارض المذكور عن أدمغتنا……؟ .

أسئلة صاحبتني كل هذا الزمن الطويل ، ودائما أرجئ القول فيها لعل شيئا يحدث للحسم المطلوب لجانب الإثبات ، أولجانب النفي .

التعلق بمثل هذا الأمل البعيد دفعني إلى أن أتبادل الرؤى والنقاش حول الموضوع وبعمق ، أو إشارات مع بعض الأصدقاء من ذوي الاختصاص ، وأجوبتهم الغالبة كانت لا تخرج عن تكرار ما يقال وإثبات صفة الأمية لشعراء الملحون بالتبرير المشهور ، والقلة منهم كانت تتفهم الطرح المتعارض ، وتبدي قابلية لإعادة النقاش في المعضلة من جديد .

أولئك الذين يثبتون صفة الأمية لشعراء الملحون بصفة تلقائية ومباشرة ارتكزت أراؤهم على المفهوم التقليدي وهو الجهل بالقراءة والكتابة ، وهذا الرأي ممكن أن ننظر إليه بصواب إذا تحدثنا عن المعرفة التي لا تُنال إلا بواسطة الكتابة والقراءة ، وهو نهج مُهَيمِن ومعروفُ المسار في تاريخ الإنسان المعرفي بصفة عامة.

أما إذا أخذنا بمفهوم التعليم الواسع المتاح أمام الإنسان فسنكون إزاء مفهوم جديد ومنفتح يتماشى مع كل الحواس التي يتمتع بها الإنسان في وجوده ، بالإضافة إلى طبيعة المجتمعات المعرفية ، فعلى سبيل المثال بلدنا المغرب تتوفر فيه مجموعة من طرق التعليم التي لا تعتمد على القراءة والكتابة المباشرة ، وإنما تتخذ من السماع والمجالسة والتأمل والفيوضات الذاتية الإلهامية وسيلة للتثقيف ، والمشاركة في الحياة الإبداعية والعلمية الجامعة بين أفراد الشعب والأمة ، ولعله المفهوم المناسب للآية الكريمة 78 من سورة النحل التي تذكر السمع والبصر والفؤاد في مجرى القضاء على الجهل : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .

والأمر بهذا الشكل لم يقتصر على زمننا المعاصر وإنما امتد مع الإنسان منذ وجوده الأول ، ألم يقل علماء اللغة بأن الإنسان توصل إلى اختراع اللغة من عملية تقليد أصوات المسموعات ، أو أصوات الطبيعة التي يعيش في أحضانها ؟ ألم تكن عندنا القدرة على الإبداع بطرق الفطرة السليمة حتى وجدنا نقادا كبارا يقسمون الشعراء من جهة الطبع والصنعة ومع وجود عامل القراءة والكتابة إلى قسمين كبيرين!؟.

كل هذا وارد كذلك في حضيرة الملحون ، ومع شعرائه الذين ثبت في حقهم أنهم كانوا يجالسون ويخالطون العلماء ، ويغشون حلقات العلم باستمرار ، وهناك من دل على مصدر إلهامه مثل الشيخ ابن عمر الملحون رحمه الله حين اغترف ( عروبياته ) من حلقة المعلم ( لكبيري ) في معظم رباعياته الملحونية ( أنظر هنا مقالي : ساحة جامع الفنا من خلال ” عروبيات ” الشيخ الشاعر محمد بن عمر الملحوني ” المنشور بالعدد الثالث من موسوعة ” ذاكرة مراكش ” للأستاذ عبد الرحمان الملحوني ، ابتداء من الصفحة : 267 ) .

إذا عدنا إلى شعر الملحون – وهو الفيصل عندي في المسألة – سنجد مجموعة من الدعامات القاضية بضرورة مراجعة مفهوم الأمية لدى شعراء الملحون ، وسأعتمد فيها على شعر شاعر فحل ، اشتهر بأميته لدى كل الباحثين ، وأعني الشيخ الجيلالي امثيرد وبمنوال متدرج وشامل للنقط الآتية :

1 – ذكر تقاطعات لمضامين ثقافية عالِمة في جل قصائد الملحون ، لا يمكن أن يصل إليها شاعر الملحون إلا عن طريق العلم والمعرفة ، ويظهر هذا جليا في قصائد ( لخلوق ) وفي قصص ( الأنبياء ) وعند ما كنت أطالع تصليات الشاعر امثيرد استرعى انتباهي ذلك التقاطع الواضح في قصيدته : ( حب احبيب الرحمان ) مع همزية الإمام البوصيري رحمه الله حتى ظننت أنه مطلع عليها ، وقارئ لمضامينها ، أنظر إلى قوله في هذا المثال :

عرفوه وكذبوه وجحدوه أهل لكذوب
آش يجحدو في طلعة البدر الساني
لولاه ما ايكون شي من الاكواني .

وانظر إلى قول البوصيري في همزيته :

عرفوه وأنكروه وظلما
كتمته الشهادة الشهداء .

وقريب من هذا ما يذكره الشعراء من أوصاف تدل على المعرفة كما فعل امثيرد في قصيدته : ( أنت اللي ابطا ميجالك عني أو طاموا ) حين تكلم بلسان الفقيه :

ألقيت طالب خطاط افلاسفي
انعرفه مدوب افهيم
شرح ومعنى من كل فن
قاري علم التنجيم .

أليست مثل هذه الألفاظ ( طالب – فلسفة – شرح – معنى – فن – علم…..) هي المعرفة نفسها التي تتعارض مع وصمة الأمية ؟!.

2 – ذكر مجموعة من الرموز الثقافية ذات الإيحاء الزمني والإبداعي الجامع ما بين الشعراء والأجيال الفنية ، وذات الحمولة شبه المستقرة في التراث المغربي والعربي والإنساني بصفة عامة ، تُظهِر لنا عمق زاد الشاعر الثقافي ، وبطرق مختلفة تتنافى مع ظلام الأمية ، وقد رتبتها في رموز كالآتي :

ا – رموز العشق : ولها وجهان متكاملان ، وجه مفرد مُجَسَّدٌ في قيس وعبلة ، ووجه منفتح على مساحة ثقافية رحبة وواسعة ، يمثله لنا سياق العذريين في مضامين شعر امثيرد باستخدام متجدد ، وباستناد على رؤاه ، واستطاع بواسطته أن يبلور معاني شعره كما أرادها ، يقول عن قيس قي قصيدة : ( تاجة – الديوان : 133 ) :

لو شهدها قيس لا شغل يزهاله لا حاجة
ينسى ليلى وزينها جد بغير امزاح .

ويقول كذلك في قصيدته : ( قوت الروح – الديوان : 142 ) :

يحسن عوني افريد هايم مجيوح
من الفراق اتقوى تجياحي
واجرى لي ما اجرى لقيس في هوله اجياحه .

ويقول في قصيدته : ( طامو خِيَّت مسعودة – الديوان : 145 ) :

قيس أيامه معدودة
وانا بلا اعداد
أيام اسنيني اصدود .

ويقول من قصيدة : ( اهنية – الديوان : 156 ) :

في الهوى شاين هز قيس صار ليا
في اغرادك يا مان بيك الحسود داروا .

ويقول في قصيدة : ( البحر – الديوان : 191 ) :

قبلك دخله قيس لوحه لمهالك تجياحه
في أرض اخلا فاقرة ابلا انجاع .

ويقول في قصيدة : ( هل لي بالفركة اتلاكى أو الغزال – الديوان : 217 ) :

وانا قيس الغريم باكي
معناوي ودكى البيك
هزام ابرادن اللبيك.

تعمدت الإطالة في استقصاء رمز قيس لأنه متصل بأكبر غرض في شعر الملحون وهو الشعر العشاقي ، ولكي أقف معه على معظم أنواع الرموز كما مر بنا في الأمثلة السابقة ، فقيس استخدم بمعنى المقابل ، واتُّخِذ سبيلا لمقارنة أحوال العشاق ، ومنهم الشاعر ، وأيضا للدلالة على صدق المشاعر ومقدار التجشم لمخاطر الهول في سبيل المحبوبة تماما كما فعل قيس أو أكثر .

ومثل هذا فعله مع رمز عبلة ففي حربة قصيدة : ( يزة الأولى – الديوان : 161 ) يقول :

صول وافخر يا غاني بالغزال بوسالف يزة
كيف صالت عبلة في ازمان عنترة الحكازي .

ويقول في قصيدة : ( باشا الثانية حسب ترتيب الديوان : 186 ) :

اخليفة جازية وعبلة طلعت فوفالي
زين ارفيع اهلالي
ما ينكرها اعشيق ولا يجحدها حاشا .

وفي تطور لرموز العشق داخل ديوان الشيخ امثيرد سنلاحظ أنه أصبح مركبا وفسيحا بإدخال دلالة العذريين ، ودلالة القاضي ، أو الفقيه ، وهما دلالتان أصيلتان ، ولهما سياقات متعددة في شعر الملحون ، وقد تَبَنَّى كل شعرائه هذا النهج في بيان وإقرار معاني العشق المختلفة ، يقول في قصيدة : ( القاضي والفقيه – الديوان : 153 ) :

قالت اغزالي للقاضي اتبين اعواري
هذا حرام قي المذهب ما يدكار
شاين قلت محدوف يا فقيه ما جابوه اسطور
في اسواق بني عدرا .

ويقول في قصيدة : ( كبورة – الديوان : 159 ) :

هي عدرية في الغرام وانا عدراوي
واتلاقات الاطباع شهدة معمورة .

هكذا كان الاستعمال لرموز العشق وقد اختصرتُ كثيرا في ذكر المضامين ، وإلا لَعَمَّ القولَ كلَّه ، والمهم عندي أن كل الاستخدامات كانت في محلها ، وسُكِبَت عليها معان كثيرة ، وتولدت بواسطتها أخرى ، وما كان شاعر الملحون سيصل إلى ما وصل إليه على مستوى الإدراك والاستعمال لو لم يكن واعيا ومثقفا ، وذا حضور متتبع لأحداث الزمن والمجتمع ، يتنافى كما قلت مع ظلام الأمية .

ب – رمز التاريخ وحصيلته المتنوعة ، وسأشير إليه عبر ثلاثة أمثلة :

المثال الأول يهم قصص الأنبياء ، وقد استخدمها شاعر الملحون بحمولتها الدينية والثقافية ، يقول امثيرد في قصيدته : ( الزطمة الثانية – الديوان : 168 ) :

صبرت القلب ما اصبر
وانصيب الكفين للدعاء وانا في اجوابي
نقول أشافي ضر أيوب
يامن ارفع ادريس ورد ليعقوب ابصاره
ويامن ادعاه نوح ونجاه من الغريق
يامن هاب الملك الشميخ لسليمان
ونجا بجود فضله يونس
ولين الحديد لداود
وهاب الرماس لعيسى
وفدى الدبيح واعتق الخليل من اللهيب
نجا يوسف من كل هول
واجعل موسى ناجي اكليم
وارفع طه محمد الزكي لحضرته
واعطاه فوق ما اطلب واجعله للعباد رحمة…….

المثال الثاني هو قريب من الأول ويلتجئ إلى السير العربية والمغربية ، وهي ذات مضامين عشقية واسعة ، يقول الشاعر في قصيدة : ( البتول – الديوان : 231 ) :

ملكتني بالزين دات البها المكمول
شبت زهلول
حسن ارفيع فيها أو سر اهلالي .

ويقول مستنجدا بسيرة العبد الكناوي كما تعرف في التراث المغربي من قصيدة : ( كبورة – الديوان : 160 ) :

لها كسبي ما دمت خالها عبد اكناوي
روحي والدات والجوارح مأمورة .

وهناك أمثلة أخرى من شعر امثيرد ، ومن غيره تؤكد على مثل الاستعمالات المذكورة ، مما يعني إن لم نضرب على وصف الأمية من قاموس الملحون أن تكون لدينا شجاعة لمراجعة مفاهيمه وحدودها على الأقل عبر معايير تتماشى مع ما نجده في مضامين شعر الملحون .

المثال الثالث وهو الأوج في مسار التتبع والاستقصاء ، ونعني به ما تواتر من عادات وأفعال اجتماعية بصيغها الثقافية المنغرسة في تقاليد المجتمع المغربي وأعرافه ، وتمثل للشاعر الملاذ الملائم لاستعراض حركية المجتمع ، واستنطاقها بوعي وفهم مأخوذ ومركب من واقع الحياة ووقائعها في مختلف ساحات الزمن وأمكنته المتنوعة ، ولكنها تصبح ذات خصوصية محدودة حين يستعملها الشاعر كما هو الحال في دلالات ( الطالب ) المذكورة في قصيدة : ( الضيف – الديوان : 234 ) :

طالب مفروق عن احبابي وارجالي
حافظ السوار بالتمام
تصرفت اعزايمي ونفدت احيالي
وعقلي كالوهام هام
وانفتش في العلوم مدوب هلالي
براني ساكن الخيام إلى أن يقول :
الطالب معدن الغنا
يكتب ليك احرزنا
يجلب الرزق للمكان.

ويبقى أهم استعراض لتلك التوافقات الثقافية داخل المجتمع ما ورد في قصائد الحراز ، فقد أبلى فيها شاعر الملحون ، وبثها جميعَ أنواع معارفه ، وضرب فيها بسهم واضح دال على عمق ثقافته وتحضره وتمدنه ، والشاعر امثيرد كان له النصيب الأوفر حين ساق نماذج من صور المجتمع في قصيدته ( الحراز ) كالتاجر ، والطالب ، والولي ، والمخزني ، والمتسول ( الساعي ) والخطاط ، والعبد الكناوي ، والطبيب…وغيرها .

هذا هو المجتمع بمعناه الحركي الثقافي ، استطاع شاعرنا أن يلم بتفاصيله ، وأن يُحَمِّلَهَا بما شاء من معاني إبداعه بدون تعسف ، أو إخلال ، بل لعله أجاد فيها وَجَوَّدَ أكثر بسبب طبيعته المُرهفَة ، وحسن الاستعمال ، وإتقان تلاؤم المسارات الثقافية بحركية أزمنة المجتمع المختلفة كما رأينا في كل الأمثلة السابقة .

وتبقى أدلة أخرى وكثيرة تنبئنا بمعارف شاعر الملحون يمكن أن نرجع إليها مستقبلا ، وتتركز على مدلولات الانتماء إلى بعض الطوائف الفكرية ولاسيما الصوفية منها ( عيساوة – حمادشة ) وكذلك ما يخص مسار الرواية المتبادلة ما بين شعراء وحواضر الملحون ( الرقاص ) بالإضافة إلى مسارات استخدامات الحيوانات والطيور ( الورشان ) وقصائد الوشم ( لفصادة ) فقد كان له نصيب في بلورة معرفة شاعر الملحون على نحو مشابه ، ملتصق ببراعة الاستخدام ، يُمَكِّن من الوصول إلى الأهداف المرجوة .

على العموم هذه أفكار وليست حلولا عصماء ، تتصل بمعضلة الأمية ومفاهيمها داخل حقل الملحون ، أضعها بين يدي كل الباحثين ، لنجدد القول ونتناقش في مدى حضور ذلك المفهوم في الوسط الملحوني ، وهل هو حقيقة أم مجرد ادعاء ، لأسباب لعل من أبرزها ارتباطه بالنظرة الدونية داخل المجتمع للملحون وشعرائه في مختلف الحقب الزمنية السابقة ، وقد كانت فترة الاستقلال والسنوات الموالية له الأقسى والأشد تضييقا على هذا الفن بدعاوي مختلفة ، قد تكون الأمية بمفهومها السلبي أحَدَها ، أو أهمًّها لإقصائه من كل تناول إيجابي ومتزن ، وبقواعد العلم والثقافة المستعملة في كل المعارف الإنسانية إلى الآن .

التعليقات مغلقة.