الانتفاضة // الدكتور // احمد كافي
غرضي من هذه المقالات نشر الثقافة الشرعية البانية، بعيدا عن هيشات الأسواق والمزايدات الفارغة، فليست مني ولست منها إن اختارها غيري طريقة له.
حقد على الشريعة:
عندما يتقدم وزير للعدل ليشرح للناس ما طلب منه تقديمه من غير تحيز، وإدخال الطمأنينة في النفوس، حتى يتفاعل المغاربة معه إيجابا، فينهال سيادته على المختلفين معه، بطريقة استهزائية بهلوانية، وينهال على المصطلحات الشرعية بالتنقيص والازدراء وكيل التهم السمجة للمصطلحات الشرعية، أمر أبلج في بيان الحقد الدفين على الشريعة قبل أن يكون موجها لأهلها.
إن السيد الوزير يتبجح أن لغة القرآن فيها إهانة للمرأة ولا ترقى إلى الاحترام الواجب لها، حيث يقول:” فسيتم تبني صياغة بعبارات حديثة، من خلال استبدال بعض المصطلحات، سيما إذا توقف العمل بها في منظومتنا القانونية والقضائية…من مثل مصطلح المتعة الذي تعتبره المرأة إهانة لها، فيجب أن نبحث داخل اللغة على كلمات ترقى إلى الاحترام الواجب لها”.
1ـ من فوضك يا سيادة الوزير أن تتكلم باسم المرأة المغربية المسلمة الأصيلة؟ هل قمت باستطلاع أكد لك أن جميع النساء او غالبتهم لا يردن المصطلحات الشرعية القرآنية؟
نعم، أنت هاهنا تتحدث عن شرذمة من النساء لها مشكلة مع الثقافة الشرعية، ووجدتك رأس الحربة لتبني رأيها. فأنت منحاز ولست على مسافة واحدة من جميع الأطراف. وللأسف تحمل لقب وزير العدل الذي يتبرأ من تصرفاتك.
2ـ من أين جئت بأن اللغة الشرعية تهين المرأة، وأنت لا تبين ولا تستقيم اللغة في فمك، فضلا عن أن تفهمها وتتذوق براعتها.
3ـ إن القرآن الكريم ككتاب مقدس في أعلى درجات البلاغة والبيان التي أعجزت الإنس والجن، وليس له معركة في باب اللغة مع الرجال أو مع النساء، فكلهم عبيده وعياله في أرضه. وقد استعمل مصطلح المتعة لدلالته العميقة في الحفاظ على الحقوق والالتزامات بشكل رفيع وحضاري لا يتذوقه من لا ذوق له. وصدق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بلغته:
ومن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا
. قال تعالى الله تعالى وقد صدق في قوله، وكذب من عارض لغته:﴿ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾[البقرة:236]، ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾[البقرة: 241]، ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ [الأحزاب:49].
إن مصطلح المتعة شرعي ضارب جذوره في هوية الأمة، معبر عن أحكامه وحكمه وفوائده من غير لبس أو شطط. والسيد الوزير عنده حساب مع الشريعة، غير مهموم بالإصلاح. قال شيخ العربية مصطفى صادق الرافعي:”ولن تجد ذا دِخلة خبيثة لهذا الدين، إلا وجدت له مثلها في اللغة”(تحت راية القرآن).
معركة قديمة:
منذ زمان وهم يجتهدون في إزالة أي مصطلح شرعي له صلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية أو يحيل عليهما. وعند الاجتماع على مدونة الأسرة لإنتاجها أواخرعام1999 إلى خروجها عام2004م، كانت المعركة وسط اللجنة حول القطع مع المصطلحات الشرعية وتعبير بعض الجهات المتغربة عن الرفض لها، من مثل: النكاح، والدخول، والمتعة…فكان لهم استبدال الدخول بالبناء، ومصطلح النكاح بالزواج…(). واليوم جاء الدور على مصطلح المتعة( ).
رخص المذاهب:
وهناك من الناس من نشأ على قول فقهي لا يريد أن يسمع غيره، أو أن يقضى بين الناس بغيره. ويسهل على هؤلاء أن يطلق على الأقوال المخالفة بأنها من رخص المذاهب. ومن تتبع الرخص فقد تزندق..
وهذه طريقة سيئة في التعامل مع الآراء الفقهية. فالآراء الفقهية لا يقال لأحدها عزيمة، وللآخر رخصة. وإنما هي راجح ومرجوح، أو ضعيف أو شاذ…أو غيرها من التعبيرات التي تصدر عن الفقهاء المحققين في المجال الفقهي.
ذلكم لأن الرخصة إنما هي شرع، واستثناء من أصل، لا يجوز العدول عن الأصل إلى الرخصة إلا لأسباب شرعية محددة. فالتيمم رخصة، والأصل هو الوضوء. وقد دل على الرخصة والعزيمة النصوص الشرعية التي بينت أمرهما. فمن عنده الجرأة ليدعي أن الرأي الذي يقتنع به عزيمة، والذي لا يؤمن به هو رخصة ومن رخص المذاهب؟؟؟ من يملك دليلا شرعيا على أن هذا القول عزيمة والآخر رخصة؟؟؟
ولكن التعصب عند البعض يفقده التوازن، ويضرب بالطوب وبما تيسر عنده. لا يا سادة، تكلموا بعلم، فالعلم نور، وله أنصار.
نعم، يعبر في بعض المصنفات عن رخص المذاهب، ولا يقصدون معناها الاصطلاحي، بل المراد عندهم المعنى اللغوي الذي هو السهولة.
أحكام الديانة وأحكام القضاء:
وقد تحدث العلماء عن هذين الصنفين، وبينوا أن أحكام الديانة قاضية على أحكام القضاء. فما تدين الله تعالى به، أو يأمرك به دينك، لا ينفعك قضاء محاكم الدنيا كلها لك يوم القيامة. لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من أخيه شيئًا فلا يأخذْه، وإنما أقطع له قطعة من النار”(البخاري)، وفي رواية: فليأخذها أو فليتركها”( ).
ولذلك نصر على أن يكون التغيير على وفق القناعات الشرعية للمغاربة لا على وفق الأهواء المردية. وذلك حتى نتجنب إحراج المجتمع المغربي المسلم فيما لا تأمر الشريعة به أو تأمر بنقيضه. وسيكون الناس أمام فتوى أهل العلم لهم ـ سرا أو جهر ـ بعدم الانصياع لأحكام القضاء المعارضة لأحكام الديانة، وأنهم كلما وجدوا السبيل للتخلص منها، فهم مأجورون على ما قاموا به، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية أوامر الخالق.
المتعة في التطليق:
هذا هو المقترح الثاني الذي أنا رافضه وأصرخ وأرفع صوتي عاليا أنه ظلم واعتداء لا يجوز السكوت عنه، فأنا النذير العريان أحذر من مآلاته السيئة في حق الأسر المغربية المسلمة.
هما مقترحان إلى اليوم أعبر عن رفضي لهما:
الأول: تثمين العمل المنزلي.
الثاني: فرض المتعة على الرجل عند التطليق بإطلاق.
الالتزامات المالية:
الأصل أن طالب الفرقة بمحض إرادته، زوجا أو زوجة، عليه أن يتحمل مسؤولية تصرفه الهادم للأسرة، وأن يكلف المسؤول عن الهدم الاستحقاقات المالية نتيجة تصرفه الملحق الضرر بالغير.
وليس من العدل في شيء أن تهدم الزوجة البيت على زوجها وأبنائها إن وجدوا، ثم نكافؤها على تصرفها بتمكينها من مال الزوج. هذا ظلم، ظلم، ظلم ومنكر.
المتعة للمرأة طالبة التطليق:
نعم، يجوز تمتيع المرأة طالبة التطليق إذا ثبت للمحكمة أن طلبها له كان بسبب إضرار زوجها بها، ودفعها إلى ان تطلب التطليق منه كي يستفيد من جهتين. وهذا محرم عندنا في الشريعة بنص القرآن الكريم القائل:﴿ ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن﴾[الطلاق:6]، ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾[النساء:19].
فمن العدل رفع الضرر عن الزوجة بتمكينها من المتعة وإن كانت هي طالبة للتطليق. لأن هذا الطلب منها طلبٌ تحت الإكراه والإساءات، طلب تحت التضييق:﴿ لتضيقوا عليهن﴾، وتحت العضل:﴿ ولا تعضلوهن﴾، وتحت قصد سرقة المال:﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾.
التطليق للضرر:
والتطليق للضرر هو معهود الشريعة ومقصودها، وكذا روح التشريعات الإنسانية السوية، في أن المتضرر يجب رفع الضرر عنه، ويستوجب التعويض عما لحق من الأضرار.
والمتسبب في الضرر، هو الواجب في حقه دفع التعويض. ولا علاقة للضرر بالذكورة أو الأنوثة. وإنما هو مرتبط بالمتسبب فيه.
الإمام مالك:
ومذهبنا نحن أهل المغرب مع هذا النظر الفقهي السديد، وهو قول جمهور أهل العلم. فإن الأصل في طالبة التطليق منع المتعة عنها. قال ابن رشد:” والجمهور على أن المختلعة لا متعة لها”( بداية المجتهد ونهاية المقتصد).
وجاء في المدونة:” قال مالك: لا متعة للمختلعة ولا للمبارئة. قال ابن القاسم: ولم يختلف هذا عندنا دخل بها أو لم يدخل بها سمى لها صداقا أو لم يسم لها صداقا”( المدونة).
لكن إن كان الطلب ليس بإرادتها بل بدفع ضرر الزوج عنها، فالرأي على عكس الأصل.
قواعد المذهب المالكي:
إن قواعد علماء الشريعة من غير تنازع بينهم، هو رفض الضرر الواقع على المسلم ذكرا أو أنثى. فإن ثبت عندهم بالقرائن ووسائل الإثبات الشرعية أن التطليق من جهة الزوجة إنما هو حيلة من الزوج حتى لا يؤدي المتعة. فقاعدة المالكية مشهورة في هذا الباب، وهي: معاملة المكلف بنقيض قصده.
قانون الأسرة:
وقد كانت الصيغة الواردة في مدونة الأحوال السابقة في الفصل60:” إذا ثبت للقاضي أن الزوج طلق بدون مبرر مقبول، تعين عليه أن يراعي عند تقدير المتعة ما يمكن أن يلحق الزوجة من أضرار”.
هدم لًلإصلاح:
ولقد قام عقلاء محكمة النقض بتثبيت هذا العمل الصالح الجليل، بعد أن تبين لهم بالملموس من الوقائع والأدلة المعروضة عليهم، أن بعض الزوجات قد تسببن في الضرر للزوج، وحكمت المحاكم الابتدائية لهن بالمتعة رغم إضرارهن بالزوج، فقاموا بتصحيح الخطإ، وذلك بعدم تحميل المتضرر للمستحقات المالية، وتحميلها لمن صدر الضرر عنه، زوجا أو زوجة. وصدر القرارات عن المجلس الأعلى في هذه القضية، وذلك في القرار عدد118 الصادر بتاريخ22مارس2011 في الملف الشرعي عدد647/2/1/2009م. وكذا القرار عدد123 الصادر بتاريخ22مارس2011 في الملف الشرعي عدد553/2/1/2009م.
فأصبح هو المعمول به في محاكم الأسرة منذ هذا التصحيح.
لقد أكدت التجربة القضائية أن المادة المتعلقة بالمتعة(المادة 84) قد أساءت استغلالها بعض الجاهلات الظالمات من الزوجات، فرفض القضاء بناء على ذلك تمكين الظالمة من المتعة، وفرضتها في حالات أخرى على الظالم من الرجال. وهذا هو عين الشرع والعقل والفطرة السوية.
وها نحن بعد أن أصلحنا المتعة واستقر أمرها من غير انزعاج من المرتفقين والمرتفقات في محاكم الأسرة، نعود القهقرى مرة أخرى، بهدم ما تم إصلاحه وتصويبه.
تحيز مكشوف:
إن مقترح القانون المتعلق بإعطاء المتعة للزوجة بإطلاق لا يراد منه تحقيق العدالة بين المتنازعين. ولكن يتبين منه تحيز مكشوف للزوجات، ولن نقبله منكم ولن نقدم له المشروعية. وإن الناس جميعا عيال الله في أرضه، والواجب على القانون أن يضمن الحقوق للجميع من غير استثناء أو تفضيل، وبغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو دينهم.
وعندما يُفرض للمظلوم قسطا من المال جبرا للضرر الذي وقع عليه، فالعقلاء يفهمون هذا ويتفهمونه ويذعنون له. لكن كيف سنقنع الناس بمكافأة الظالم على ظلمه. هذا هو التحيز المكشوف الصارخ في هذا المقترح!!!
التعليقات مغلقة.