يا صاحبي…اما نحن فاللهم الجبر بعد صبر طويل…

الانتفاضة // محمد المتوكل

السلام عليك يا صاحبي، السلام على قلبك من أن يكسر، فإن كسر القلب موجع واللهِ وإن لم يحدث صوتا، وأشد ما في كسر القلب أعاذك الله منه، أن لا جبيرة له! ستبقى دومً تتحسس هذا الشرخ الذي حدث، مهما تظاهرت أن هذه الفجوة قد التأمت!
السلام على قلبك من دنيا ليس لها أمان، ولا يعرف المرء فيها من أي جهةٍ تأتيه الصفعة، ولا من أي يد تأتيه الطعنة! والسلام على قلبك من تقلب الأيام على غير الوجهة التي تحب، السلام على قلبك من الهجران بعد الوصل فإنه موجع، ومن النأي بعد الوصل فإنه أليم، ومن الوحشة بعد الأنس فإنها ذميمة! السّلام على قلبكَ ليبقى نقياً كأول لحظةٍ خلقه الله بها، أبيض يسر الناظرين، ويسرك أنت، لا شيء أسعد من أن ينظر المرء إلى قلبه، فيجده خالياً من الحقد والحسد والكراهية ورغبة الانتقام والتشفي! السلام على روحك لتبقى علوية تحن إلى خالقها، ولا تمرغ بلوثة الطين الأرضي! السلام على فطرتك لتبقى سليمة،
ترى الحق حقا وتتبعه، وترى الباطل باطلا فتجتنبه، أشد عقوبة يرمى بها المرء يا صاحبي هي فساد فطرته، أن يستميت في الدفاع عن باطلٍ وهو يحسبه حقا، وأن يستميت في محاربة حق وهو يحسبه باطلا! وإني أعيذك من قول ربك: ﴿…يحسبون أنهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، السلام على إيمانك ليبقى غصنا طريا كأول مرة، لامست بشاشته لا إله إلا الله، فلا تهتك عرضا، ولا تفضح سترا، ولا تحقر ذنبا مهما كان! والسلام لقلبك! السلام عليك يا صاحبي، تسألني: لِمَ يتقلَّبُ الزمانُ هكذا حتى ليبدو أن لا أمان له؟! فأقول لك: الأيام جند من جنود الله يا صاحبي، يداولها بين الناس، ليُري خلقه أنه لا يبقى على ما هو إلا هو سبحانه! يا صاحبي، كان فرعون يتجبر ويقول: ﴿أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾، فأدار اللهُ الزمان ثم أجرى الماء من فوقه،
لو أنك رأيته وجبريل يحشو الطين في فمه، على مرأى من الطفل الرضيع الذي بكى في قصره يوما يريد أن يرضع! يا صاحبي،
كان النمرودُ يقول ﴿أنا أحيي وأميت﴾، فأدار اله الزمان ثم أرسل له بعوضة خربت عيشه، وكان لا يهدأ إلا إذا ضربه الناس على رأسه بالنعال، أولئك الذين كانوا يسجدون له بالأمس! يا صاحبي، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة تحت جنح الظلام بعدما أخذتْ قريش من كل قبيلة رجلا ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين الناس! فأدار الله الزمان، ثم أعاد نبيه إلى مكة فاتحا في عز الظهيرة! يا صاحبي، لو أنك رأيت بلال بن رباح وقد طرحه أمية بن خلف على رمال مكة الملتهبة، لقلت أما لهذا العذاب من آخر؟! ثم أدار الله الزمان، فالتقت الفئتان في بدر، وكان بلال يغرس سيفه في صدر أمية لعلمت حكمة الله في تقليب الزمان! يا صاحبي، هذه هي الأيام، يجريها من خلقها بين خلقه، تارة صحة وتارة مرض، تارة غنى وتارة فقر، تارة فرح وتارة حزن، حتى لا يغتر قوي ولا ييأس ضعيف، ولا يتجبر غني ولا يقنط فقير، ثم إنه يرمي الناس بسهام قدره، فكن في كل أحوالك بجانب الرامي تنج! والسلام لقلبك السلام عليك يا صاحبي، لعلك الآن تقول في نفسك: كيف سيرجع الله لي حقي؟! أو لعلك كنت أكثر غضبا فقلت: كيف سينتقم اللهُ لي؟! إنك تنظر الآن في الأسباب فيبدو كل شيء أمامك شائكا وصعبا! يا صاحبي، لا تفكر في صعوبة ظرفك، فكر في قوة الرب الذي تدعوه! منذ متى نسأل الله عن الكيف يا صاحبي؟! الكيف هذه للهِ وحده، نحن ندعوه بيقين فقط!
أما ترتيبات المعركة، وسلاح الانتقام فهي من شأن الرب القادر الذي سيدبرها بحكمته! الله سبحانه دوماً يدهشنا بالسلاح الذي يختاره للمعركة! عندما رفع نوح عليه السّلام يديه إلى السماء قائلا: ” أنلي مغلوب فانتصر” لم يكن يخطر في باله أبدا أن انتقام الله سيكون مدوياً، وصاعقاً إلى هذه الدرجة! لعل أكثر ما كان ينتظره أن يهلكهم الله بضربة واحدة أو صيحة! لا أحد من سكان الأرض ولا السماء، كان يتوقع أن يكون الماء هو سلاح المعركة! الذي سيختاره الله سبحانه لنصر عبده المظلوم، وصدر الأمر الإلهي للسماء أن تنهمر، وللأرض أن تُخرج ماءها، والبحار أن تطغى، غرقت الأرض حتى آخرها إلى أن صار لا عاصم من أمر الله إلا الله!
قصص القرآن ليست للتسلية يا صاحبي، إنها عقيدة، ودروس في الإيمان، وليس للمظلوم إلا أن يرفع شكواه! أما تفاصيل المعركة وسلاحها، فهذا كله من شأن الذي يُدبر كل شيء بحكمته! يا صاحبي، إنك لو عشت زمن النمرود، ورأيته يأمر الناس بالسجود له،
ورأيته يُناظر إبراهيم عليه السّلام بكل بجاحة، ويقول: ” أنا أحيي وأميت”! لربما سألتَ نفسك باستغراب: كيف سيغير الله كل هذا؟ أي سلاح فتاك سيختاره الله ليذل هذا الطاغية، وبالطبع ما كان سيخطرُ على بالكَ أبدا أن الله سبحانه، سيرسل جنديا واحدا من جنوده لينتقم به، جندي صغير لا يكاد يرى بالعين المجردة! بعوضة! أجل بعوضة واحدة أدخلها في أنفه لتستقر في دماغه!
فلا يهدأ إلا حين يضربه الذين كانوا يسجدون له بالأحذية على رأسه، بهذه الطريقة المدهشة يدبر الله الأمور يا صاحبي! يا صاحبي، إنك لو شهدت اللحظة التي وضع فيها إبراهيم عليه السلام، في كفة المنجنيق ليلقى في النار! لقلت في نفسك: ربما سيطفئ الله النار بماءٍ ينزله من السماء دفعة واحدة! كان هذا حلاً وحيداً لو أن النار تحرق بأمر نفسها! ولكن هذه النار لا تحرق إلا بأمر ربها، فصدر إليها الأمر أن تكون بردا وسلاما فكانت! إن الله سبحانه يغير خواص الأشياء إن أراد ذلك، السكين الحاد لم تذبح إسماعيل عليه السّلام يا صاحبي! والحوت المفترس لم يأكل يونس عليه السلام وإن ابتلعه، كل شيء في هذا الكون يعمل بأمر الله، فلا تنظر في الأسباب، كن مع رب الأسباب يكفيك مؤونتها! والسلام لقلبك صديقي، أنت متعب مني، من انعدام اهتمامي وقلة صبري. أنا متعب من نفسي، من الشخوص في رأسي. من العالم وحروبه التي لا تنتهي. من يومي ومن أمسي.
صديقي، أنا سبب حزنك، فقط. لكن أسباب حزني أنا عدة. حزين على فقير في الشارع، أرملة لا تملك من الأبناء واحد. حزين على جاري الذي فقد زوجته. حزين على أمي، أمي التي تعلّق آمالاً كبيرة علي. صديقي، أنت تفكر بكيفية إصلاحي، رغم أني لست معطوب وحسب، بل مدمّر. غير صالح للعيش. صديقي، تدعي أنك تحمل همي معك أينما ذهبت، رغم أن ظهرك ليس مقصم منه. كيف تكون حامِله؟! صديقي، تحاول أن تجعل مني شخصا سعيدا، لكن كآبتي فطرية…لأني أبرع بامتصاص كل هذا الأسى من حولي، أبرع في حشره بين أضلعي. صديقي، تخاف من أن أتركك، وأنا أخاف من أستمر معك، نعيش أيام متعبة، ونواجه لحظات قاسية، نبحث هنا وهناك عن قلوب تحبنا بصدق، لنختبئ في حضنها، قلوب لا يهون عليها ضعفنا، أو كسرنا، نحتاجها بشدة لنبتعد عن الجميع…ونلجأ إليها، لنرمي وراء ظهورنا التفاصيل الموجعة، والطرق التي أذَتنا، لنحاول أن نخبر أنفسنا، أنه وبرغم كل شيء لازالت الدنيا آمنة، نتوقف برهة ونتذكر أن لا ملجأ لنا سوى عزلتنا، فالبيوت التي تأوينا ما عادت آمِنة، لا مفر لنا إلا إليها، نبكي بصمت دون كلمة، ودون حديث حتى، ونكمِل طريقنا عائدين من تعب الحياة، خارجا إلى التعب الأكبر الذي ينتظرنا، وككل الأيام الماضية نهمس لأنفسنا، قد يحدث شيئاً…وتمضي الحياة بنا، دون أن نشعر بلذتها…ربما كنت شخصا مزاجيا ، يبكي على نهايةِ مسلسل يموت فيه البطل وتظلّ البطلة وحيدة تربي ابنهما، أنطوي على نفسي حين يقول لي أحدهم أن البثور في وجهي كثرت أو قل وزني بشكلٍ واضح، أتكور في جحري إذا ما خسرت صديقا أدرك أنه لا يستبدل، أمشي وحيدا في طريق تملأه العتمة رغم وجود من ينير لي الطريق، أعلم أني أترك الجميع في لحظات يجب أن أكون فيها بجوارهم ، وأني دوما أخسر الأشياء التي أحبها ، لكني أركضُ كثيرا خلف أحلامي، أشتاق بشكل لا يصدق لمن أحبهم رغم أنِي لا أقول ذلك، أكتب كثيرًا ولا يعجبني ما أكتب، أشاهد الأفلام والمسلسلات البائسة التي تترك وجهي منتفخا من الحزن، أقول سأجمع المال وأسافر ثمّ أنفقه على الكتب والملابس، لكني رغم مزاجيتي المفرطة، حين أُخطئ أعتذر، وحين أحب أصدق، وحين أقول أني سأصل إلى شيءٍ ما، أصلُ له…هنالك نهايات تعز عليك نفسك فيها، حتى أن السؤال عن سبب الفراق لا يكون حاضرا، كأنك بطريقة ما جردت الذي أحببته من آخر قطرة لوم وعتب بقيت في فؤادك له ثم وقفت مثل كل مرة، بتسليم كلي، تنتظر دخول الوحشة عليك من بعدهم…لتجد أنها لم تغادر حتى تعود وأنهم حتى في وجودهم كانوا غائبين…‏شيء ما في النهايات يجعلك أكثر ألفة ورحمة مع نفسك، كأنك وعاء تشظى من تلك الكلمة ومن ذلك الموقف وهذه الخيبة وذلك السكوت ثم وقفت وحدك بمواجهة كل هذا الدمار ترمم  قلبك بصبر أم تعرف بأن الوجع يزول والأثر يبقى..أم تمد لك طرف عباءتها في إشارة بأنك محمي وآمن معها إلى الأبد…متعب هكذا بدون أي سبب ولا حتى أعرف لم، فجأة شعرت أنني متعب مرهق لا رغبة لدي لإكمال الطريق أشعر أنني لا أصل برغم كل هذا الركض…نفسي يتسارع يكاد أن ينقطع المسافة المتبقية طويلة والمشوار ممل، مرهق، وكله عقبات، أتوقف لأرتاح فتتراكم الأحزان علي كأنها لاتعرف سواي، لا أستطيع التخلص من شيء ولا حتى التأقلم مازلت أتعب ومتعب منذ أكثر من سبع سنوات عجاف، أنا لا أصل أنا حتى لا أتوقف اركض إلى المجهول، انت لا تستطيع أن تفهمني، الأمر لا علاقة له بتفاوت الأفهام، بغموض القضايا، الأمر أعمق من ذلك و يصعب تجسير تلك الهوة، أنت تحدثني عن إنسان آخر، إنسان لا أعرفه، تحدثني عن فكرتك عني، أنا مثلك، صور متعددة في اذهان الناس، حشد من الذوات المجهولة، إننا لا نفهم الأشياء مالم نحيد تصوراتنا الخاصة عنها، أن لا ننكر على الأشياء طبيعتها بما فيها البشر، لن تفهمني وانت تراني مذنب، متمرد، أنت تقصيني، لا ترى مني إلا ما يعزز فكرتك عني، من الصعوبة ان نتحرر من تصورات الناس عنا، مهما تبددت تلك الأفكار فإن اي حدث ولو عابر يوقظ ذلك العالم القديم، نحن لا نفهم بعض ، لأننا لا نحدث بعض ، نحن نتهم بعض ، ذلك يريحنا ، يحررنا من تفحص أنفسنا ، إننا نبحث عن ضحايا نحملهم ما ننكره من ذواتنا، اتجاهات خاطئة…أخبرني كيف يسير كل واحد منا في اتجاه مختلف وطريقنا واحد؟! كيف أكون في مكانٍ وأنتَ في مكانٍ غيره، والمنطق يقضي بأن نكون معنا أينما وجدنا؟! كيف تصبح بيننا كل هذه المسافات الشاسعة، والأجدر ألا يفصلُ بيننا سوى النَفس؟!، كيف تكون اتجاهي ووجهتي وبوصلتي وخارطتي وطريقي وغايتي وهدفي ومآلي ولا تكون معي أينما حللت ونزلت وتوجهت وسكنت؟! أنا أفضل أن أضيع ولا أعرف أين أنا وأنت معي، على أن تكون لي وجهة ومستودع ومستقر من دونك…أنا أفضل ألف مرة أن أضيع معك، أضيع فيك، على أن أجدني، من دونك، أو مع غيرك، كائن من يكون…قاسية هي الحياة حين تحول بيننا وبين ما نحب… ظالم هو البعد، حين يجعل من أبسطِ الأشياء، كرؤيتك كل يوم، واشتمام عطرك، ولمس يديك، واحتضان وجهك، وسماع صوتك والحديث معك، أمرا مستحيلا… أكبر مشكلة لي مع البعد، أني أصبح في مكان وقلبي في مكان آخر… أنا في البعد أتجزأ لا أبقى مكتملا أبدا… فدائما ما ينقصني شيء من جسدي حين لا تكون معي…قد يكون عزاءي الوحيد أنّ هذا الجزء أصبح معك، ولكن هل من العدل أن يسعدَ الجزء ويشقى صاحبه؟!..الاتجاهات الخاطئة قاتلة…فهي مضيعة للعمر، وخسارة كبيرة لعامل الوقت الذي لا نملكَ الكثير منه…أنا في هذا التوقيت بالذات لا يصلح أن أكون إلا في معيتك ومعكَ وفي صحبتك وأمام ناظريك وبين يديك وفي أحضانك… وجودي في مكان آخر لا أكون فيه معك، يشبه وقوفي في العراء بلا روح ولا جسد ولا ملامح ولا ثياب، على مرأى من العامة…تذكر بأن عليك التوجه نحوي، نحوي دائما، حتى وإن كانت كل لوحات الطريق تشير بأنك تسير في الاتجاه الصحيح…كيف يكون أي اتجاه تسلكه صحيحا ولا يقودك نحوي؟! كن على يقين بأن كل الطرق التي لا تأخذك إلي ولا تحملني إليك خاطئة، خاطئة جداً، حتى وإن قادت العالم كله إلى روما…احيانا تراودك احاسيس ومشاعر وافكار مشوشة لا تدري ما هي او لماذا او ما هو سببها فتدخل في دوامة تفكير لا مخرج منها ابدا دوامة لا متناهية من كيف ولماذا وما سبب ،كيف السبيل من الخروج او التخلص من كل هذا التوهان والنقص وتشتت العقل والقلب معآ…اصعب احساس يمكن ان يمر به المرء هو احتياجه لشخص لم يعد موجودآ في حياته شخصآ كان كل شيء بالنسبة له يلتجئ اليه في كل مطبات حياته في كل مرة يخونه العالم يذهب اليه، وعندما تتلقى الخزلان من نفس الشخص وتريد ان تشتكي تلتجئ الى اين السبيل الى اين المفر الى الجحيم اذآ، اصعب مايمر به المرء هو محاولة التخلص من شعور ما احساس او تفكير اتجاه شخص معين كان بالنسبة له كل ما يملك ولكن يخزله يدمره يحطمه من الداخل ذاك المكان والوطن الذي كان يضمه في وقت ما، وبعدها يمر هذا الشخص بفترة لا يعلم بما يحس او يشعر او من هو، الى من خزلونا ودمرو مواطن قوتنا سوف يأتي شخص ما ويفعل ما فعلتموه بنا ويجعلكم تمرون بمثل ما مر بنا، لان الله يمهل ولا يهمل، اما نحن فاللهم الجبر بعد صبر طويل.

التعليقات مغلقة.