الحالمون…

الانتفاضة/ أسامة سعودي

“الحالمون”…قبل انطلاق مونديال قطر 2022 لكرة القدم، استعدت دولة قطر لاحتضان هذا العرس الكروي بامتياز، والذي ضم منتخبات قوية و شرسة داخل رقعة الميدان، ونجحت هذه الدولة العربية ذات الكثافة السكانية الصغيرة في هذه التظاهرة الكروية من حيت التنظيم و الافتتاح، و كذلك الملاعب التي كانت جيدة لإجراء المقابلات، و أصبح الكل جاهزا، والجميع ينتظر بفارغ الصبر ليعيش متعة كروية بامتياز، وخاصة أنها نظمت في بلد عربي واسلامي وقومي.

فالجماهير التي لها شغف كبير بكرة القدم رشحت المنتخبات القوية كاسبانيا و الارجنتين و ألمانيا وفرنسا و غيرها للتتويج بهذا اللقب، بينما استبعدت المنتخبات العربية والافريقية لمغادرة هذه المسابقة من دور المجموعات، ولكن هذا العرس الكروي حمل في طياته العديد من المفاجآت، وكانت المفاجئة الكبرى هي المنتخب الوطني المغربي وما أبان عليه من مهارات وانجازات سجلها التاريح بمداد من الفخر والاعتزاز.

وقبل الحديث على هذا الانجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني المغربي في مونديال قطر 2022 لكرة القدم، كانت الجماهير المغربية فاقدة للأمل في منتخبها، وخاصة بعد معرفة خصومها في هذه المسابقة، حيث عرف تواجد كل من (المنتخب الكرواتي، و المنتخب البلجيكي، ثم المنتخب الكندي)، وهي طبعا مجموعة كانت صعبة و نسبة كثيرة من الجماهير والمتعاطفين وهواة الكرة المستديرة رجحت تأهل كلا من المنتخب الكرواتي رفقة المنتخب البلجيكي إلى الدور الموالي من المونديال.

ولما حان الموعد على انطلاق هذه التظاهرة الرياضية، خاض المنتخب الوطني المغربي بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي أول مقابلة له في هذا العرس الكروي الفريد ضد نظيره الكرواتي،حيث بدأت أطوار هذه المقابلة بضغط عالي مارسه المنتخب الكرواتي على نظيره من المغرب، و انتهت هذه المقابلة بالتعادل السلبي (0-0).

و هنا كثر القيل و القال و فقد جماهير المنتخبات المشاركة في المجموعة التي تضم المغرب الأمل في تأهل منتخبه إلى الدور الموالي، وهناك من قال بصريح العبارة ( ديماري ديك الطيارة)، يعني ان المقابلة الثانية للمنتخب الوطني المغربي ستكون ضد المنتخب البلجيكي و الهزيمة في هذه المباراة تعني خروج المنتخب المغربي من هذه المسابقة بشكل نهائي.

و هنا كانت المفاجأة الأولى و هي انتصار المنتخب الوطني المغربي على رفقاء “لوكاكاو” ، (منتخب الشياطين الحمر) بهدفين دون رد سجلها زياش وبوخلال.

والفوز هنا يعني أننا على بعد خطوة وحيدة للمرور إلى الدور الموالي (1/8)، و هنا كذلك  أحيوا الأسود الأمل في نفوس الجماهير المغربية للتأهل، وتبقت مقابلة أخيرة لمعانقة هذا الحلم بعد مرور سنوات عجاف، وحان موعد المقابلة الذي جمعت منتخبنا المغربي بالمنتخب الكندي، و الجميع ينتظر نهاية المباراة، و أعصابهم مشدودة الى حكم المباراة، فالمقاهي مملوءة، والملاعب امتلأت على الآخر، و الكرة بين يدي الاسود، وبدأت المواجهة و بدأت معها التشجيعات و الهتافات من طرف الحاضرين من أجل تحقيق الانتصار ومعانقة هذا الحلم.

وبدأ المنتخب الوطني المغربي في الضغط على الخصم لتسجيل الهدف الأول، وهذا ما تأتى لنا و سجلنا الهدف الأول و الهدف الثاني، و انتهت المقابلة بفوز الأسود بهدفين مقابل هدف يتيم، فعلها الأسود؟؟؟ هل هذا حلم أم حقيقة !!؟ إن كان حلما، لا توقظوني منه؟؟؟

تصدر اذن  المنتخب الوطني المغربي هذه المجموعة وتأهل عن جدارة واستحقاق إلى الدور القادم، ومن هنا بدأت قصة “الحالمون”، وخرج جميع المغاربة يحتفلون بهذا الإنجاز الذي طال غيابه، خرج الجميع للشوارع، منهم الصغار والكبار، والنساء والرجال، والكل يغني ويهتف بهتافات مغربية من قبيل: ” هلا هلا المغاربة سبوعا او رجالة ديرو ديرو النية ينصرنا العالي تعالى”.

احتفل المغاربة بهذه الانتصارات التي حققها على المنتخبات القوية، و استمرت الاحتفالات والتهاني بين الجماهير العربية، وتعرف المنتخب الوطني المغربي على خصمه في دور ثمن نهائي كأس العالم قطر 2022، حيث ان خصمنا كان عنيدا هذه المرة وهو المنتخب الاسباني المرشح للظفر بهذا اللقب.

فأصبحت المهمة صعبة الآن، وهناك من فقد الأمل في العبور، و هناك من تشبت بقصة “الحالمون”، وحان موعد المقابلة و رشح الجميع بالفوز المنتخب الإسباني و إقصاء المنتخب المغربي، وبدأت المقابلة وبدأت معها السيطرة الإسبانية و خلق فرص للتسجيل من اجل القضاء على حلم المغاربة، ولكن “نية وليد الركراكي” وقفت معنا وانتصرنا على المنتخب الإسباني بركلات الترجيح التي تصدى لها الأسد المغربي “ياسين بونو” بنجاح، هذه التصديات هي التي منحتنا التأهل، وخطفنا بها انتصارا غاليا على حساب خصم قوي و شرس، وتمكنا من تسجيل ثلاثة أهداف من ضربات الجزاء دون رد.

حققنا المبتغى الآن و خلقنا المفاجأة، وأصبحنا أول منتخب عربي و إفريقي يصل لهذا الدور وبدانا في مقارعة الكبار، و أصبحنا مصدر قلق ورعب العديد من المنتخبات الأوروبية.

مرة أخرى من طنجة إلى الكويرة خرج الجميع للشارع والبسمة والفرحة على محيا الشعب المغربي قاطبة، وكان في المقدمة صاحب الجلالة محمد السادس، الذي خرج لمشاركة احتفال الجماهير المجنونة و العاشقة لكرة القدم، ومتفية بهذا الانجاز الذي ساهم فيه كل من المدرب واللاعبين وحتى الجماهير الوفية التي ساندت منتخبها رغم العراقيل والصعوبات، ففرحنا أياما ولياليا وازداد الحلم و كبر أكبر فأكبر، وأصبحنا نحلم بالظفر باللقب الغالي ” الظفر بكأس العالم”.

طوينا صفحة المنتخب الإسباني وطوينا معها دور الثمن النهائي، و الآن اصبح أمامنا خصم قوي يتوفر على نجم كبير الظاهرة “رونالدو”، وكان خصمنا هذه المرة، المنتخب البرتغالي، ولكن كان الوضع مختلفا، تشبتنا بكل أمالنا وقوتنا وعزمنا وافتخارنا بالاسود من أجل تحقيق الانتصار والعبور إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، وهذا ما تأتى لنا و برأسية “يوسف النصيري”  حلقنا في سماء قطر و خلقنا المفاجأة، وتأهل المنتخب الوطني المغربي لنصف نهائي كأس العالم 2022، وعمت الفرحة في أرجاء المملكة المغربية، و كذا في ربوع الدول العربية خاصة أمير قطر الذي تقاسم معنا هذه الفرحة و هذا الانجاز التاريخي العظيم.

وصلنا لنصف النهائي وواجهنا خصما قويا وعنيدا، ويتعلق الامر هنا بالمنتخب الفرنسي (الديكة)، ولازلنا متشبتين بحلمنا الذي رسمناه في هذا العرس الكروي، ولكن توقف قطار الحلم في هذه المرحلة، عند نصف نهائي كأس العالم، وخرجنا من هذه المسابقة بثوب البطل رغم الإقصاء، وافتخرت جميع الشعوب العربية بالإنجاز الذي حققه المنتخب الوطني المغربي، وغادرنا هذه التظاهرة الكروية بين الأربعة الأوائل في هذا المحفل الدولي.

هذا الانجاز العالمي و التاريخي عاد ليحيي أمجاده من خلال جوائز الكونفدرالية الأفريقية لسنة 2023، والتي عرفت سيطرة مغربية بامتياز حيت توج المنتخب الوطني المغربي كأفضل منتخب وطني في أفريقيا، بفضل ما حققه في مونديال قطر 2022، وكذلك توج “وليد الركراكي” مدرب الأسود بجائزة أفضل مدرب لهذا العام بافريقيا، إضافة الى المخضرم و قلب الأسد “ياسين بونو” الذي توج بجائزة أفضل حارس في أفريقيا، كما تم تتويج كل من “نسرين الشاد” التي توجت بجائزة أفضل لاعبة شابة في أفريقيا، و فاطمة الزهراء تكناوت” التي توجت بدورها كأفضل لاعبة محلية لهذا العام في إفريقيا.

من هنا اذن نؤكد مما لا ريب فيها ان المنتخب المغربي رفع رأس كل مغربي وعربي و إفريقي في العالم، وحقق إنجازا لم يسبق لأي منتخب أن حققه في افريقيا، وذلك بفضل المجهودات والعمل الجماعي لكتيبة وليد الركراكي.

 أنتم مصدر اعتزازنا و فخرنا يا أسود وسنظل حالمون…

التعليقات مغلقة.