الإنتفاضة /البداوي إدريسي
المناصب لاتدوم لأحد، فهي مسؤولية مؤقتة يتولاها الإنسان في مرحلة من حياته، ثم يغادرها بالتقاعد أو انتهاء مدة التكليف أو الإنتقال إلى موقع ٱخر .
و لكن عندما يغادر المسؤول منصبه، هل ينبغي أن تغادر خبرته معه، و كأن سنوات العمل و ما تراكم خلالها من معرفة و تجارب قد انتهت بإنتهاء القرار الإداري ؟
إن المسؤول الذي أمضى سنوات في خدمة مؤسسة لا يحمل معه مجرد ذكريات، بل يمتلك رصيدا من الخبرة العملية لا توفره الكتب و الدورات التدريبية وحدها .
فقد واجه الأزمات، واتخذ القرارات، و تعامل مع الأخطاء، و عرف مواطن القوة و الضعف، وشهد مراحل تطور المؤسسة .
و لذلك فإن خروجه من المنصب دون ٱلية للإستفادة من خبرته يمثل خسارة للمؤسسة و للدولة .
و لا تعني الإستفادة من المسؤول السابق أن يتدخل في أعمال المسؤول الجديد أو يستمر في ممارسة نفوده؛ فلكل مرحلة مسؤول، و لكل مسؤول صلاحياته و رؤيته .
المقصود هو تحويل خبرته إلى معرفة مؤسسية يمكن الرجوع إليها من خلال المجالس الأستشارية و اللجان المتخصصة، و ورش نقل الخبرة، و إعداد القيادات الشابة، و دراسة المشاريع.
و نرى في الولاية المتحدة الأمريكية و كثير من الدول الأوروبية أن الإستفادة من أصحاب الخبرات لا ترتبط بعمر محدد، و لا تنتهي بالتقاعد أو مغادرة المنصب .
فنشاهد مسؤولين و خبراء سابقين يواصلون العطاء في البرلمانات و مجالس المؤسسات و الشركات، و في مراكز الأبحاث و الجامعات و المعاهد.
و تستفيد منهم دولهم في تقديم المشورة و تدريب الأجيال الجديدة، لأن الخبرة لديها قيمة وطنية لا تسقط بمرور العمر .
أما في دولنا، فكثيرا ما يغادر المسؤول أو الخبير منصبه فتغيب معه خبرته، و كأن التقاعد نهاية للعطاء .
و المفارقة أن بعض مؤسساتنا قد تستبعد خبيرا وطنيا راكم التجربة و المعرفة عشرات السنين، ثم تستعين بخبير من الخارج لأداء مهمة يستطيع ابن الوطن القيام بها بكفاءة، بل لمعرفة أعمق بطبيعة المجتمع و احتياجاته .و في المغرب عدد كبير من المسؤولين السابقين و الخبراء الوطنيين الذين قدموا خدمات جليلة في الوزارات و المؤسسات و المجالس المختلفة، و أسهموا في تنمية البلاد و معالجة التحديات .
و من بينهم مسؤولون سابقون يعملون حاليا في مؤسسات الدولة.
و لكن بعضهم يبتعد عن الحياة العامة بعد مغادرة المنصب، لا لعدم رغبته في العطاء، بل الغياب القنوات التي تستوعب خبرته .
وقد تتكرر الملفات، فتبدأ بعض المؤسسات دراستها من الصفر، رغم أن مسؤولين سابقين تعاملوا معها و عرفوا نتائج محاولاتها السابقة .
ولو وجد سجل مؤسسي الخبرات، لأمكن اختصار الوقت و الجهد، و تجنب تكرار الأخطاء، و مساعدة المسؤولين الجدد على اتخاذ قرارات أكثر نضجا .
و من المناسب إنشاء قاعدة وطنية للخبرات و الكفاءات، تصنف المسؤولين و الخبراء السابقين وفق تخصصاتهم و تجاربهم، للإستعانة بهم في اللجان و المشاريع و الدراسات و تدريب الشباب الواعد.
كما يمكن لكل وزارة و مؤسسة و مجالس الترابية إنشاء لجنة استشارية من مسؤولين سابقين، يقدم عند الحاجة رأيا غير ملزم في القضايا الإستراتيجية .
و في المقابل، يجب أن يدرك المسؤول السابق أن تقديم الخبرة و التجربة يختلف عن التمسك بالمنصب، فيقدم رأيه بأمانة ويترك لصاحب القرار مسؤولية الإختيار.
كما أن المسؤول الجديد الواثق من قدرته لا يخشى الإستماع إلى من سبقه.
إن التكريم الحقيقي للمسؤول السابق لا يكون فقط بحفل وداع أو درع تذكارية بل بالحفاظ على خبرته و إتاحة الفرصة له لمواصلة خدمة وطنه .
فالمسؤول يغادر مكتبه و كرسيه، لكن خبرته يجب ألا تغادر معه؛ لأنها أصبحت جزءا من الرصيد الوطني الذي يبني الحاضر و يمهد للمستقبل.
و بذلك نحفظ الذاكرة المؤسسية و نمنح الكفاءات الوطنية مكانتها المستحقة في مسيرة التنمية و البناء الوطني المستدام . .
هل ترحل الكفاءة برحيل الكرسي؟
السابق بوست