هل ترحل الكفاءة برحيل الكرسي؟

0

‏الإنتفاضة /البداوي إدريسي
‏المناصب لاتدوم لأحد، فهي مسؤولية مؤقتة يتولاها الإنسان في مرحلة من حياته، ثم يغادرها بالتقاعد أو انتهاء مدة التكليف أو الإنتقال إلى موقع ٱخر .
‏و لكن عندما يغادر المسؤول منصبه، هل ينبغي أن تغادر خبرته معه، و كأن سنوات العمل و ما تراكم خلالها من معرفة و تجارب قد انتهت بإنتهاء القرار الإداري ؟
‏إن المسؤول الذي أمضى سنوات في خدمة مؤسسة لا يحمل معه مجرد ذكريات، بل يمتلك رصيدا من الخبرة العملية لا توفره الكتب و الدورات التدريبية وحدها .
‏فقد واجه الأزمات، واتخذ القرارات، و تعامل مع الأخطاء، و عرف مواطن القوة و الضعف، وشهد مراحل تطور المؤسسة .
‏و لذلك فإن خروجه من المنصب دون ٱلية للإستفادة من خبرته يمثل خسارة للمؤسسة و للدولة .
‏و لا تعني الإستفادة من المسؤول السابق أن يتدخل في أعمال المسؤول الجديد أو يستمر في ممارسة نفوده؛ فلكل مرحلة مسؤول، و لكل مسؤول صلاحياته و رؤيته .
‏المقصود هو تحويل خبرته إلى معرفة مؤسسية يمكن الرجوع إليها من خلال المجالس الأستشارية و اللجان المتخصصة، و ورش نقل الخبرة، و إعداد القيادات الشابة، و دراسة المشاريع.
‏و نرى في الولاية المتحدة الأمريكية و كثير من  الدول الأوروبية أن الإستفادة من أصحاب الخبرات لا ترتبط بعمر محدد، و لا تنتهي بالتقاعد أو مغادرة المنصب .
‏فنشاهد مسؤولين و خبراء سابقين يواصلون العطاء في البرلمانات و مجالس المؤسسات و الشركات، و في مراكز الأبحاث و الجامعات و المعاهد.
‏و تستفيد منهم دولهم في تقديم المشورة و تدريب الأجيال الجديدة، لأن الخبرة لديها قيمة وطنية لا تسقط بمرور العمر .
‏أما في دولنا، فكثيرا ما يغادر المسؤول أو الخبير منصبه فتغيب معه خبرته، و كأن التقاعد نهاية للعطاء .
‏و المفارقة أن بعض مؤسساتنا قد تستبعد خبيرا وطنيا راكم التجربة و المعرفة عشرات السنين، ثم تستعين بخبير من الخارج لأداء مهمة يستطيع ابن الوطن القيام بها بكفاءة، بل لمعرفة أعمق بطبيعة المجتمع و احتياجاته .و في المغرب عدد كبير من المسؤولين السابقين و الخبراء الوطنيين الذين قدموا خدمات جليلة في الوزارات و المؤسسات و المجالس المختلفة، و أسهموا في تنمية البلاد و معالجة التحديات .
‏و من بينهم مسؤولون سابقون يعملون حاليا في مؤسسات الدولة.
‏و لكن بعضهم يبتعد عن الحياة العامة بعد مغادرة المنصب، لا لعدم رغبته في العطاء، بل الغياب القنوات التي تستوعب خبرته .
‏وقد تتكرر الملفات، فتبدأ بعض المؤسسات دراستها من الصفر، رغم أن مسؤولين سابقين تعاملوا معها و عرفوا نتائج محاولاتها السابقة .
‏ولو وجد سجل مؤسسي الخبرات، لأمكن اختصار الوقت و الجهد، و تجنب تكرار الأخطاء، و مساعدة المسؤولين الجدد على اتخاذ قرارات أكثر نضجا .
‏و من المناسب إنشاء قاعدة وطنية للخبرات و الكفاءات، تصنف المسؤولين و الخبراء السابقين وفق تخصصاتهم و تجاربهم، للإستعانة بهم في اللجان و المشاريع و الدراسات و تدريب الشباب الواعد.
‏كما يمكن لكل وزارة و مؤسسة و مجالس الترابية إنشاء لجنة استشارية من مسؤولين سابقين، يقدم عند الحاجة رأيا غير ملزم في القضايا الإستراتيجية .
‏و في المقابل، يجب أن يدرك المسؤول السابق أن تقديم الخبرة و التجربة يختلف عن التمسك بالمنصب، فيقدم رأيه بأمانة ويترك لصاحب القرار مسؤولية الإختيار.
‏كما أن المسؤول الجديد الواثق من قدرته لا يخشى الإستماع إلى من سبقه.
‏إن التكريم الحقيقي للمسؤول السابق لا يكون فقط بحفل وداع أو درع تذكارية بل بالحفاظ على خبرته و إتاحة الفرصة له لمواصلة خدمة وطنه .
‏فالمسؤول يغادر مكتبه و كرسيه، لكن خبرته يجب ألا تغادر معه؛ لأنها أصبحت جزءا من الرصيد الوطني الذي يبني الحاضر و يمهد للمستقبل.
‏و بذلك نحفظ الذاكرة المؤسسية و نمنح الكفاءات الوطنية مكانتها المستحقة في مسيرة التنمية و البناء الوطني المستدام . .
‏

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.