وزيرة لمدة 24 ساعة فقط !

0

الانتفاضة/ توفيق بوعشرين

لعل الخبر أدناه يطفئ النار.
لعل القرار أدناه يُسكت حراس الفضيلة.
لعل الإعفاء أدناه يترك السيدة ماديحة في سلام…

إليكم التفاصيل.

أصدر الديوان الملكي بلاغاً قبل قليل، جاء فيه:

«توصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بطلب من السيدة رئيسة الحكومة بإعفاء السيدة ماديحة خيير الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل؛

وقد تفضل صاحب الجلالة، نصره الله، بقبول الطلب المذكور، طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور».

هكذا، دون الدخول في التفاصيل، ولا توضيح أسباب إعفاء وزيرة لم تكد تباشر مهامها، ولم نسمع لها رأياً في تدبير قطاعها، انتهت التجربة قبل أن تبدأ طبعا السبب يعرفه الجميع .

أُعفيت مناضلة حزب الاستقلال، وكأن المطلوب منها أن تنسى استقبالها في القصر، وتعيينها وزيرة، وحضورها أشغال المجلسين الوزاري والحكومي، واستعدادها لتسلّم مهامها ان تنسى كل هذا في ظرف 24 ساعة .

وفي كل الأحوال، كانت تنتظرها معارك كثيرة حول حدود اختصاصاتها وعلاقتها بالمؤسسات القائمة في القطاع، وفي مقدمتها مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، الذي تديره السيدة لبنى طريشة. وربما كانت متاعب التنسيق وحروب الاختصاصات ستبدأ سريعاً… والله أعلم.

هذا وسبق أن غادرت نبيلة الرميلي، عمدة الدار البيضاء عن حزب التجمع الوطني للأحرار، وزارة الصحة بعد أسبوع من تعيينها سنة 2021، وإن اختلفت الظروف والأسباب.

لا شك أن ماديحة عاشت ساعات قاسية، بعد تداول شهادة طبية منسوبة إليها، وأحكام قضائية تعود إلى أكثر من عشرين سنة عندما كانت السيدة شابة .

عشرون سنة لم تكن، على ما يبدو، كافية ليُطرح سؤال الحق في النسيان، وإمكان تجاوز الإنسان أخطاء شبابه، هل كان عليها ان تنبه قيادة حزبها لماضيها حتى تكون هناك خطة استباقية ؟ هل كان على الاجهزة المكلفة بالبحث الامني ان تنبه الى الامر ؟.

«من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر».

تُنسب هذه العبارة إلى السيد المسيح في إنجيل يوحنا.
وتروي القصة أن الكتبة والفريسيين أحضروا إليه امرأة ضُبطت في الزنا، وسألوه عن رجمها، بقصد اختباره وإيجاد تهمة عليه.
أجابهم بهذه العبارة ( ن كان منكم بلا خطيئة فليرجمها ) ، فانصرفوا واحداً تلو الآخر،

وضعت هذه العبارة الإنسان أمام سؤال محرج: هل نحاكم أخطاء الآخرين دفاعاً عن الفضيلة، أم لنستمتع قليلاً بالشعور بأننا أفضل منهم ؟

اليوم تغيّرت أدوات الرجم. لم نعد نحتاج إلى حجارة؛ تكفي صورة قديمة، أو وثيقة مبتورة، أو حكاية تُبعث من قبرها، أو شهادة طبية، حتى تبدأ المحاكمة بأثر رجعي .

الجميع تحولوا الى قضاة في السوشل ميديا ، والجميع شهود، والمتهم مطالب سيدة وقفت عزلاء بلا مدافع عنها لا حزب ولا حكومة ولا عائلة
على الانسان ان يثبت براءته في كل صباح…
أمام أناس نعرف ماذا تخفي ملفات بعضهم ….

كتب فولتير في «المعجم الفلسفي»،: «كلنا معجونون بالضعف والأخطاء؛ فلنغفر بعضنا لبعض ».

الاعتراف بضعفنا المشترك هو أول ما يحدّ من غرور إصدار الأحكام على الناس.

كيف نطالب إنساناً بأن يتغيّر، ثم نرفض الاعتراف بأي تغيير يطرأ عليه؟هذا نفاق

الحق في النسيان، بهذا المعنى، هو أن تتوقف مطاردة الإنسان بخطأ قديم اعترف به وادى ثمنه وتجاوزه، حين لا يعود استحضاره ضرورياً لحماية الآخرين أو لمساءلة مسؤولية قائمة.

أما الذاكرة التي تعيد إنتاج التشهير، فهي تبحث في كل مرة عن ضحية جديدة.

من حق المجتمع أن يسأل ويحاسب، ومن حق الإنسان أن يجد، بعد الاعتراف والإصلاح، باباً مفتوحاً للعودة. وإلا فما جدوى التوبة إذا كنا قد قررنا سلفاً ألا نغفر أبداً لأحد؟

هل أقول هذا الكلام بأثر رجعي؟

لا. هاكم ما كتبته وقلته قبل قرار إعفاء السيدة ماديحة خيير:

«وزيرة منتدبة عاثرة الحظ، لم تتركها وسائل التواصل الاجتماعي تفرح بالوزارة. بمجرد ظهور اسمها في لائحة التعيين، وجدت المسكينة شواهدها الطبية وملفاتها القضائية معلّقة على فيسبوك وواتساب. وطبعاً سكتت، وتركت كرة الإشاعات والأخبار تكبر، رغم أن الوقائع المتداولة قديمة…

لا أعرف صحة الموضوع، وإذا صحّ ،فأنه يعود إلى أكثر من عشرين سنة، فأين حق الإنسان في تجاوز ماضيه، يا ناس؟».

هذا هو الشق الشخصي والإنساني في النازلة.

ويبقى السؤال: هل هناك وزراء ووزيرات في وضعيات مماثلة، لم تُسلَّط عليهم الأضواء؟

ثم هناك شق سياسي وإداري وأمني وحزبي، يستحق الوقوف عنده لاستخلاص الدروس: كيف تُقترح الأسماء؟ وكيف تُفحص الملفات؟ ومن يتحمّل مسؤولية ما جرى؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.