الانتفاضة / إلهام أوكادير
لا يرتبط ارتفاع ضغط الدم دائماً بالعوامل المعروفة مثل التغذية والوزن وقلة النشاط البدني، فبعض الحالات قد تكون مرتبطة بطريقة اشتغال الجهاز العصبي نفسه. هذا الاحتمال دفع فريقاً من الباحثين إلى دراسة منطقة صغيرة في جذع الدماغ، بعدما كشفت تجاربهم أنها تستطيع التأثير في الأوعية الدموية وضغط الدم من خلال نشاط مرتبط بالتنفس على وجه التحديد، في نتيجة قد تساعد مستقبلاً على فهم بعض الحالات التي لا تستجيب بما يكفي للعلاج.
المنطقة المعنية تُعرف باسم «المنطقة جانب الوجهية الجانبية» (pFL)، وهي جزء من جذع الدماغ يشارك في تنظيم الزفير القوي، الذي يحتاج إليه الجسم في مواقف مثل ممارسة التمارين الرياضية أو السعال أو الضحك. لكن دور هذه المنطقة، وفق النتائج التي توصل إليها باحثون من جامعة “ساو باولو” البرازيلية وجامعة “أوكلاند النيوزيلندية”، قد يتجاوز تنظيم خروج الهواء من الرئتين، ليصل إلى التأثير في النشاط العصبي المسؤول عن تضييق الأوعية الدموية وبالتالي ارتفاع ضغط الدم.
ولفهم هذه العلاقة، اختبر الباحثون نشاط الخلايا العصبية في هذه المنطقة لدى فئران، مستخدمين تقنيات تسمح بتنشيطها أو تثبيطها، مع مراقبة التنفس والنشاط العصبي المرتبط بالتحكم في الأوعية وقياس ضغط الدم.
وقد أظهرت التجارب عقب ذلك، أن تنشيط هذه الخلايا يرفع من ضغط الدم، مباشرة بعد تحفزه لمسارات عصبية أخرى، تتدخل في تنظيم نشاط الجهاز العصبي الودي، المسؤول عن عدد من الاستجابات اللا إرادية في الجسم، ومنها تضييق الأوعية الدموية.
والأكثر أهمية من ذلك والملاحظ، هو أن تثبيط الخلايا العصبية المستهدفة أدى إلى عودة ضغط الدم إلى مستوياته الطبيعية لدى الفئران المصابة بارتفاع ضغط الدم الناجم عن اضطراب عصبي.
وبذلك، تمنح هذه النتيجة الباحثين دليلاً تجريبياً على أن النشاط المفرط لهذه المنطقة يمكن أن يساهم في استمرار ارتفاع الضغط، كما تفتح باب البحث عن أهداف علاجية مختلفة عن الآليات التي تركز عليها الأدوية الحالية المستخدمة في علاج ارتفاع ضغط الدم.
وقد تساعد النتائج أيضاً على تفسير جانب من العلاقة المعروفة بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وارتفاع ضغط الدم، حيث وفي هذه الحالة، تتكرر فترات توقف التنفس أو انخفاضه، ما يؤدي إلى اضطراب مستويات الأكسجين وتراكم ثاني أكسيد الكربون، مع علمنا باستجابة المنطقة الدماغية المدروسة للتغيرات المرتبطة بهذه الظروف، وهو ما يثير احتمال أن يسهم تنشيطها المتكرر في زيادة الضغط على المدى الطويل، وإن كانت هذه العلاقة تحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد تفاصيلها لدى البشر.
وتكتسب المسألة أهمية إضافية كون ارتفاع ضغط الدم يظل من أبرز عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما أن السيطرة عليه لا تتحقق لدى جميع المرضى رغم استعمال الأدوية، كما أنّ البحث يشير إلى أن فرط نشاط الجهاز العصبي الودي قد يكون أحد العوامل التي تفسر استمرار المشكلة لدى بعض الحالات، ما يجعل فهم الآليات العصبية خطوة مهمة في البحث عن وسائل علاج أكثر استهدافاً.
مع ذلك، لا تعني النتائج أن العلماء توصلوا بالفعل إلى علاج جديد لارتفاع ضغط الدم، ولا تثبت أن المنطقة نفسها تؤدي الدور ذاته لدى الإنسان، فالتجارب أُجريت على الفئران، وما زال الانتقال من هذه النتائج إلى تطبيقات طبية آمنة وفعالة يتطلب دراسات إضافية.
ختاما ومن كل ما سبق، يضيف الاكتشاف الحالي مساراً جديداً لفهم المرض: فالتنفس والتحكم العصبي في الأوعية الدموية قد يكونان أكثر ترابطاً مما كان معروفاً، وقد تساعد دراسة هذه الصلة مستقبلاً على تفسير بعض الحالات المعقدة التي يصعب ضبط ضغط الدم فيها.