​باريس تحتضن يوما دراسيا حول العلامة والشيخ المغربي أبي عبد الله أكنسوس وعصره

0

الانتفاضة

يحتضن المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) بالعاصمة الفرنسية باريس، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، يوما دراسيا دوليا مخصصا لاستعادة مسار وإرث العلامة والشيخ المغربي أبي عبد الله محمد أكنسوس، المتوفى سنة 1294هـ/1877م، وذلك بمشاركة باحثين وأكاديميين من عدد من الجامعات والمؤسسات العلمية الأوروبية.

وينظم هذا اللقاء العلمي بمبادرة مشتركة بين معهد INALCO بباريس، وجامعة تورينو الإيطالية، وجامعة «لويس» بروما، في إطار مشروع البحث الأكاديمي «Renew-MAG»، الذي يهتم بدراسة مظاهر التجدد الروحي والتعبيرات الفنية والفكرية التي عرفها المغرب خلال القرن التاسع عشر.

ويروم اليوم الدراسي إعادة قراءة شخصية محمد أكنسوس وإبراز تعدد أدواره في تاريخ المغرب الحديث، بعيدا عن اختزال تجربته في بعدها السياسي، باعتباره مستشارا وكاتبا للسلطان مولاي سليمان، ثم وزيرا في عهده. كما يقدم اللقاء أكنسوس باعتباره عالما مشاركا ومؤرخا للدولة العلوية، ولغويا  وباحثا في مجالات معرفية متعددة، فضلا عن مكانته ضمن أبرز شيوخ ومؤسسي الطريقة التجانية بالمغرب الكبير.

كما يسلط البرنامج الضوء على مساهمته في ما يصفه منظمو اللقاء بحركة التجدد الفكري والروحي التي عرفها المغرب خلال القرن التاسع عشر، إلى جانب دوره في تأسيس أول زاوية تجانية بمدينة مراكش، وانشغالاته العلمية التي امتدت إلى الرياضيات والفلك والطب، فضلاً عن اهتمامه بترجمة ونقل عدد من المؤلفات العلمية الغربية إلى المجال المغربي.

                              تفاصيل من إفريزا مرسوما على الخشب في الزاوية التيجانية بمراكش

ويتضمن برنامج اليوم الدراسي سلسلة من المداخلات التي تقارب تجربة أكنسوس من زوايا فكرية وعلمية وصوفية مختلفة. ففي محور التعددية الفقهية والروحية، يقدم الباحث صوفي تيرس، من باريس، دراسة حول حضور التعددية في فكر أكنسوس، وكيفية انتقال مبدأ «كل مجتهد مصيب» من المجال الفقهي إلى المجال الصوفي.

أما الباحث أناتيل كرانايس من جامعة مونستر الألمانية، فيتناول الممارسات الفيلولوجية والنقدية للشيخ أكنسوس، خصوصا تعامله مع كتاب «القاموس المحيط» للفيروزآبادي، ومقارنته لأكثر من خمسين مخطوطا في إطار جهوده في التصحيح والتحقيق.

ويبحث ياسين كريستيان أندريوسن، من جامعة أكسفورد البريطانية، في المضمون المعرفي والسجالات الصوفية التي جمعت بين أحمد البكاي الكنتي ومحمد أكنسوس، فيما يخصص بييري أجرون، من جامعة كاين الفرنسية، مداخلته لجهود ترجمة ونشر العلوم الدقيقة بالمغرب خلال القرن التاسع عشر، ولا سيما علم الفلك والهندسة وكتاب «أصول إقليدس»، ودور أكنسوس في هذه العملية.

ويمتد النقاش إلى إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال مداخلة ميشيل بيرتوني، من جامعة «لويس» بروما، التي تتناول انتقال النصوص وأشكال الوعي المؤسسي من الزاوية الكنسوسية بمراكش إلى الزاوية السعيدية في إثيوبيا، بما يكشف عن امتداد الشبكات العلمية والصوفية المغربية إلى فضاءات إفريقية أوسع.

ويستحضر البرنامج أيضا البعد المادي والتراثي لإرث أكنسوس، من خلال مداخلة الباحث فرانشيسكو شيابوتي، الذي يتناول قصيدة تأسيس الزاوية التجانية بمراكش بحي المواسين سنة 1847، والمنقوشة على إفريز خشبي، مع التوقف عند قضايا صيانة التراث العمراني للمدينة العتيقة بمراكش، خصوصاً في أعقاب زلزال سنة 2023.

كما يتضمن برنامج اللقاء جلسة خاصة مع الباحثين جعفر الكنسوسي ومحمد المهدي الكنسوسي، لمناقشة مختلف أبعاد هذا الإرث الفكري والروحي، على أن يختتم اليوم باجتماع عمل مخصص لبحث آفاق الدراسات المغاربية والإسلامية داخل المعهد.

ويأتي هذا اليوم الدراسي في سياق أكاديمي يسعى إلى إعادة تسليط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب خلال القرن التاسع عشر، وما عرفته من حركية فكرية وروحية وعلمية، في فترة سبقت التدخل الاستعماري وشهدت تفاعلا واسعا بين العلماء والمتصوفة والمترجمين والفاعلين في مجالات المعرفة المختلفة.

ومن خلال استعادة تجربة محمد أكنسوس، يسعى المشاركون إلى إبراز تعدد قنوات إنتاج المعرفة وتداولها، فضلا عن الشبكات العلمية والصوفية التي ربطت المغرب بالمجال المغاربي وإفريقيا جنوب الصحراء، بما يفتح المجال أمام قراءة أوسع لما اصطلح عليه بزمن الإصلاح والتجدد الفكري والروحي في المغرب خلال القرن التاسع عشر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.