الانتفاضة / حسن كرياط
لم تكن نتائج الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة بمدينة أكادير مجرد أرقام عابرة أفرزتها صناديق الاقتراع، ولا تحولاً طارئاً في موازين المنافسة الحزبية؛ بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية عميقة تستدعي التوقف والتأمل. تأتي هذه المؤشرات من مدينة تتبوأ موقعاً رمزياً في المشهد السياسي الوطني، باعتبارها المعقل الانتخابي المتين الذي ارتبط لسنوات بحزب «التجمع الوطني للأحرار»، وبشخص رئيس الحكومة ورئيس المجلس الجماعي لأكادير، عزيز أخنوش.
لقد جردت النتائج الواقع من أوهامه، كاشفةً أن القواعد الانتخابية ليست كتلة جامدة، وأن النفوذ المؤسساتي، والجاهزية التنظيمية، والموارد اللوجستية، أدواتٌ عاجزة بمفردها عن صناعة الولاء السياسي المستدام. فالناخب داخل المعزل لا يصوت وفق موازين القوة الظاهرة في الفضاء العام، وإنما يحتكم إلى حصيلة مباشرة تتشكل من تفاصيل حياته اليومية؛ من مدى رضاه عن الخدمات العامة، وحضور المنتخبين في معتركه اليومي، ولمسه الأثر الفعلي للمشاريع في محيطه المباشر، وفي أكادير تحديداً، دخلت هذه المعادلة مرحلة التغيير الجذري.
إن التقدم الذي أحرزه حزب «العدالة والتنمية» وفق معطيات الصناديق، لا يُقرأ فحسب كعودة انتخابية للغريم التقليدي، بل هو دلالة ساطعة على تشكل كتلة مصوتة اختارت التعبير عن موقفها الناقد للمشهد المحلي القائم. وهنا تبرز فرضية «التصويت العقابي» كأحد التفسيرات المنطقية لهذا التحول، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل صوت حُول للمنافس كان إعلاناً للولاء المطلق له بقدر ما كان رسالة رفضٍ للمسار الراهن.
وتتجلى المعضلة المحورية التي كشفت عنها النتائج في الاتساع الصارخ للفجوة بين التواصل والإنجاز؛ بين المشروع كما يسوقه الفاعلون السياسيون، والمشروع كما يستقبله المواطن في حياته اليومية.
صحيح أن أكادير شهدت في الأعوام الأخيرة أوراشاً تنموية كبرى ضمن برنامج التنمية الحضرية، شملت البنيات التحتية، والتهيئة، والنقل، والمجالين السياحي والاقتصادي، غير أن ضخامة الأوراش لا تترجم تلقائياً إلى ارتفاع في منسوب الرضا السياسي. فالشارع الذي يرقب الورشات بعينه، يتساءل بلسان حاله: ما الذي تغير في جودة عيشي؟ هل تحسنت الخدمات الإدارية وانتظمت مساطر الرخص؟ هل نالت الأحياء ناقصة التجهيز نصيبها من التنمية؟ وهل تحقق التوازن في توزيع الاستثمارات والخدمات؟ وقبل هذا كله: هل يجد المواطن ممثله عند الحاجة؟
هنا تحديداً تكمن أبلغ الرسائل التي وجهتها صناديق الاقتراع: لغة الأرقام الصماء لم تعد تكفي.
فالمواطن لا يقطن داخل الجداول الإحصائية، بل يعيش في الحي والشارع، ويتعامل مع المرفق العمومي والمدرسة والمستشفى وسوق العمل ووسائل النقل. ومن ثَمَّ، فإن أي مشروع تنموي لا ينعكس أثره إيجاباً على معيشة المواطن، يظل —مهما بلغت كلفته المالية— عرضة لفقدان قيمته وأثره السياسي.
كما أثبتت التجربة أن الاعتماد المفرط على الواجهات الإعلامية أو الجمعوية والمهنية لا يغني عن التواصل السياسي المباشر والفعال. فالاستحقاقات الانتخابية المعاصرة لم تعد تُدار بالبلاغات والمشاهد الملتقطة في المناسبات الموسمية، بل تُبنى عبر جسور تواصل مستمرة مع المواطنين، عمادها الإنصات والمساءلة، والجرأة في تقديم الحصيلة والاعتراف بمواطن الخلل.
لقد أعادت هذه النتائج إحياء سؤال الجدوى من الحصيلة البرلمانية والمحلية؛ إذ لم يعد الناخب مستعداً للانتظار خمس سنوات كاملة ليكتشف ما تحقق. إنه يطالب بمساءلة دورية: ماذا قدم المنتخب؟ ما الذي أنجزه من وعوده؟ وما الذي تعثر استكماله وما أسباب ذلك؟
إن السؤال البسيط الذي يتردد على ألسنة الجميع: “أشنو دار ذاك لي انتاخبناه؟” يختزل تحولاً عميقاً في الثقافة الانتخابية؛ تحولاً يستبدل بالانتماء الحزبي الضيق منطقَ المسؤولية والأثر والمحاسبة.
من هذا المنطلق، تكتسي الاستحقاقات الجماعية المرتقبة لسنة 2027 أهمية بالغة.
فالرهان في أكادير لن يقتصر على صراع الظفر بالمقاعد، بل سيتعداه إلى تحديد نمط التدبير المحلي الذي تطمح إليه الساكنة. سيكون الناخب الأكاديري أمام لحظة فارقة للمقارنة بين الوعود والواقع، بين الشعارات المعلنة والأثر الملموس، وبين الخطاب السياسي والممارسة على أرض الواقع.
إن ما تنتظره ساكنة أكادير من المجلس الجماعي القادم يتجاوز مجرد تبديل الوجوه أو إعادة تدوير التحالفات السياسية؛ إذ تتطلع إلى أهداف أكثر عمقاً: إدارة جماعية قريبة من هموم الشارع، شفافية مطلقة في تدبير الملفات العمرانية والرخص، عدالة مجالية تنصف الأحياء الهامشية وناقصة التجهيز، تطوير شبكات النقل والخدمات الأساسية، العناية بنظافة الفضاءات العمومية، وتأسيس قنوات حقيقية للمشاركة والمواطنة الفاعلة.
تطمح الساكنة إلى صياغة نموذج حضري تتكامل فيه التنمية الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية والمجالية؛ فلا معنى لوجه سياحي براق إن كانت الأحياء الخلفية تعاني خصاصاً في الخدمات التنموية، ولا جدوى من إطلاق المشاريع الكبرى ما لم ينعكس أثرها على التفاصيل اليومية للمواطن.
وقبل كل شيء، تتطلع أكادير إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية السياسية المحلية؛ فالمنتخب ليس مجرد اسم في لائحة، ولا صورة في ملصق دائم، ولا رقماً صامتاً داخل أغلبية جماعية؛ بل هو صلة وصل مؤسساتية بين المواطن والدولة والجماعة، تبدأ مسؤوليته يوم إعلان النتائج ولا تنتهي إلا بانتهاء انتدابه.
لهذا السبب، سيكون اختبار 2027 استثنائياً. لن يتساءل الناخبون فقط: “من يملك القدرة على الفوز؟” بل سيبحثون عن: من يحمل رؤية واضحة للمدينة؟ ومن يستطيع تقديم حصيلة قابلة للقياس؟ ومن يملك تصوراً شاملاً لتحويل أكادير من مجرد تصريف للأعمال اليومية إلى قطب حضري متوازن، ذكي، أخضر، وجاذب للاستثمار؟
في المقابل، تقف القوى السياسية المنافسة هي الأخرى أمام امتحان حقيقي؛ إذ إن استثمار التعثر الانتخابي للخصم لا يكفي لبناء مشروعية جديدة. فالناخب الذي يعاقب حزباً اليوم قد يعاقب منافسه غداً إذا لم يلمس بديلاً حقيقياً ومقنعاً. لذا، فإن نتائج 2026 ليست «شيكاً على بياض» لأي طرف، بقدر ما هي رسالة مفتوحة للجميع مفادها: أكادير تتغير، والناخب يتغير معها.
لقد أضحت الساكنة أكثر قدرة على المقارنة والتسييز، وأشد حساسية تجاه قضايا الحكامة والشفافية والتواصل، وأقل استعداداً لمنح الثقة السياسية بصفة مجانية. هذا التحول التفكيري يفرض على الأحزاب إعادة صياغة علاقتها بالمواطن، وعلى المنتخبين الانتقال من الحضور السياسي الموسمي إلى الالتزام اليومي المستمر.
ولعل أشد الأخطاء جسامة هو أن تتعامل أحزاب المشهد المحلي مع نتائج 2026 باعتبارها مجرد عرض انتخابي عابر؛ فالرسالة الأعمق للنتائج لا تتجسد في عدد المقاعد المفقودة أو المكتسبة، بل في حجم الجفوة التي تنشأ بين المؤسسة والمواطن عندما تفشل البرامج في تحسين جودة حياته.
أكادير اليوم ليست هي أكادير الأمس، وناخبها أضحى أكثر وعياً؛ فالمدينة تتوسع، وتطلعات سكانها تزداد تعقيداً، ونسيجها الاجتماعي والاقتصادي يتحول بسرعة، مما يجعل الاستحقاق الجماعي القادم مقياساً حقيقياً للقدرة على تجديد الخطاب السياسي وتقديم نموذج تنموي ناجح.
ختاماً، إن السؤال الجوهري الذي ستجيب عنه صناديق 2027 لن يكون: “من سيتولى تدبير مجلس جماعة أكادير؟” بل سيكون السؤال الأكثر عمقاً ورمزية: “أي أكادير نريد، ومن يملك الأهلية والقدرة على قيادتها نحو المستقبل؟”
لقد طُويت صفحة الشعارات البراقة والإنجازات الفوقية، ليفسح المجال لعهد جديد عنوانه: الحصيلة، والمساءلة، والقرب، والإنصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي مدينة بحجم أكادير ورمزيتها، قد تكون صناديق 2027 محطة انتخابية في التقويم الرسمية، لكنها بالنسبة للفاعلين السياسيين ستكون الاختبار الأخير لقراءة الرسائل الشعبية قبل فوات الأوان.