الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
من رشيد الفيلالي إلى سعيد أمزازي، تعاقب على ولاية جهة سوس ماسة وعمالة أكادير إداوتنان عدد من الولاة الذين اختلفت مساراتهم الإدارية وخلفياتهم وطبيعة الملفات التي حملوها، لكنهم اشتركوا جميعا في مواجهة مدينة لا تكاد تستقر على إيقاع تنموي واحد حتى تفتح أمامها رهانات جديدة. وخلال أكثر من عقدين، لم تعد أكادير مجرد مدينة سياحية تعتمد على البحر والفنادق والشمس، بل تحولت تدريجيا إلى قطب اقتصادي وجهوي، ومجال حضري تتقاطع فيه رهانات الاستثمار والسياحة والنقل والتعمير والبيئة والثقافة والرياضة. غير أن هذا التحول، رغم المشاريع الكبرى التي عرفتها المدينة، لم يكن دائما بالسرعة التي انتظرها السكان، كما أن عددا من الأوراش ظل مرتبطا بجدل متواصل حول آجال الإنجاز وجودة التنفيذ ومدى انعكاس الاستثمارات على الحياة اليومية للمواطنين.
كان كل والٍ يصل إلى أكادير يجد أمامه مدينة تحمل إرثا ثقيلا من الانتظارات، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على موقعها السياحي وإعادة بناء قدرتها الاقتصادية. فالمسألة لم تكن مرتبطة فقط بإنجاز الطرق والساحات والمرافق، وإنما بإعادة صياغة وظيفة المدينة داخل محيطها الجهوي، في ظل توسع عمراني متسارع وارتفاع الطلب على السكن والخدمات والتنقل والاستثمار. وبينما كانت أكادير تحاول استعادة بريقها كوجهة سياحية وطنية ودولية، كانت ضواحيها تتوسع، ومراكزها الحضرية المجاورة تزداد ارتباطا بها، لتتحول بذلك ولاية الجهة إلى ورش مفتوح لا يمكن اختزاله في حدود وسط المدينة.
تعاقب المسؤولين على تدبير الشأن الترابي جعل لكل مرحلة أولوياتها. فهناك ولاة ارتبطت أسماؤهم بملفات إدارية وأمنية وتنموية، وآخرون وجدوا أنفسهم في قلب مرحلة اتسمت بإطلاق مشاريع كبرى وإعادة تأهيل البنية الحضرية. وبين مرحلة وأخرى، ظلت أكادير تبحث عن التوازن بين الحفاظ على هويتها وبين الدخول بقوة في المنافسة بين المدن المغربية الكبرى. فالمشروع التنموي لم يعد يعني فقط إصلاح شارع أو بناء منشأة، بل أصبح مرتبطا بجاذبية المدينة للاستثمار، وقدرتها على استقبال السياح، وتوفير النقل العصري، وتحسين جودة الفضاءات العمومية، وإعادة الاعتبار للمجالات الثقافية والرياضية.
ومن أبرز التحولات التي شهدتها أكادير خلال السنوات الأخيرة إعادة ترتيب عدد من واجهات المدينة ومحاورها الرئيسية، ضمن رؤية تهدف إلى تحسين صورة المجال الحضري ورفع مستوى البنية التحتية. مشاريع الطرق والتهيئة الحضرية والنقل ساهمت في تغيير ملامح أجزاء واسعة من المدينة، كما أن الأوراش المرتبطة بالسياحة والاستثمار أعطت انطباعا بأن أكادير دخلت مرحلة جديدة من التطور. لكن هذه الصورة الإيجابية لم تمنع ظهور انتقادات تتعلق بتأخر بعض المشاريع، أو بتفاوت الاستفادة بين مركز المدينة ومحيطها، أو بضعف التواصل أحيانا حول آجال التنفيذ ومراحل إنجاز الأوراش.
وفي كل مرة كان يتغير فيها الوالي، كانت الأسئلة نفسها تعود إلى الواجهة: ماذا سيضيف المسؤول الجديد؟ وما الملفات التي ستنتقل معه من مرحلة إلى أخرى؟ وهل يستطيع أن يمنح دفعة جديدة للمشاريع المتعثرة؟ وهل ستكون الأولوية للاستثمار، أم للبنية التحتية، أم للجانب الاجتماعي، أم لتدبير التوسع العمراني؟ وهي أسئلة تكشف أن المشكل لا يتعلق دائما بشخص الوالي، بقدر ما يرتبط بطبيعة الملفات نفسها وتشابك المتدخلين فيها.
فالوالي، مهما اتسعت صلاحياته، لا يشتغل في فراغ إداري. أكادير اليوم تحتاج إلى تنسيق مستمر بين مؤسسات الدولة والجماعات الترابية والمجالس المنتخبة والقطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والمستثمرين. ولذلك فإن نجاح أي مشروع لا يتوقف فقط على القرار الإداري، بل على القدرة على جمع مختلف الأطراف حول رؤية موحدة، وتحديد المسؤوليات، وضمان التمويل، ومراقبة التنفيذ، ثم تقييم النتائج. ولعل هذه النقطة تحديدا هي التي تجعل انتقال المسؤولين اختبارا حقيقيا لاستمرارية المشاريع، إذ يفترض أن تبقى الأوراش الكبرى مرتبطة ببرامج واضحة وليس بالأشخاص.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن أكادير استفادت من استثمارات مهمة جعلتها خلال السنوات الماضية أكثر حضورا على خريطة المدن المغربية الصاعدة. فالمدينة عرفت إعادة تهيئة فضاءات عمومية، وتطوير محاور طرقية، وتعزيز بنياتها الرياضية والسياحية، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالنقل والتنقل الحضري. كما أن موقعها داخل جهة سوس ماسة منحها دورا متزايدا كعاصمة اقتصادية وإدارية لجهة تمتد جغرافيا وتضم أنشطة فلاحية وسياحية وصناعية وتجارية متعددة.
غير أن التنمية لا تقاس بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بمدى تأثيرها على حياة السكان. وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه أي مسؤول ترابي في أكادير. فالمواطن يريد طرقا أفضل، ونقلا أكثر انتظاما، ومرافق صحية وتعليمية في المستوى، وفرصا للشغل، وفضاءات خضراء، وخدمات إدارية فعالة، ومدنا قادرة على استيعاب النمو الديمغرافي. كما أن المستثمر يبحث عن وضوح المساطر وسرعة معالجة الملفات واستقرار القرار، بينما يبحث السائح عن مدينة جميلة وآمنة ومتصلة بمختلف وسائل النقل. وبين هذه المطالب المتعددة، يجد الوالي نفسه أمام معادلة دقيقة تتطلب التوفيق بين التنمية الاقتصادية والعدالة المجالية والاستدامة.
ومن هنا تأتي أهمية تقييم حصيلة كل مرحلة بعيدا عن منطق الأشخاص. فالحديث عن ستة ولاة خلال أكثر من عشرين سنة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة فردية لكل مسؤول، بقدر ما يجب أن يكون مناسبة لطرح سؤال أوسع: ماذا تحقق لأكادير خلال هذه الفترة، وماذا بقي عالقا؟ وما المشاريع التي استمرت رغم تغير المسؤولين؟ وأي الملفات ظلت تعود إلى الواجهة دون حل نهائي؟
إن انتقال سعيد أمزازي إلى تدبير جهة سوس ماسة وعمالة أكادير إداوتنان يفتح صفحة جديدة في هذا المسار، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام المسؤول الجديد تركة من الملفات والانتظارات المتراكمة. فالمطلوب ليس فقط مواصلة الأوراش المفتوحة، بل تقييمها وتصحيح اختلالاتها وتسريع ما يمكن تسريعه، مع الحرص على أن تكون المشاريع المقبلة أكثر ارتباطا بالحاجيات الفعلية للمدينة وسكانها.
أكادير اليوم ليست المدينة نفسها التي عرفها الفيلالي في بداية المسار، ولا هي المدينة التي تسلمها من جاء بعده، ولن تكون بالتأكيد المدينة نفسها في نهاية المرحلة المقبلة. فقد تغيرت ملامحها، واتسع محيطها، وتعددت رهاناتها، وارتفعت سقوف انتظارات سكانها. لكن التحدي الحقيقي سيظل في تحويل هذا التغيير العمراني والاستثماري إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
وبين ولاية وأخرى، ستبقى الملفات هي الشاهد الأكبر على حصيلة المسؤولين. بعضها سيغلق بعد سنوات من الانتظار، وبعضها سيواصل الانتقال من مكتب إلى آخر، فيما ستظهر مشاريع جديدة تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية. وفي النهاية، فإن دفتر أكادير لا يكتب بأسماء الولاة فقط، بل بما يتركونه من مشاريع مكتملة، وقرارات فعالة، وحلول دائمة لمشكلات المدينة. أما الانتقال من الفيلالي إلى أمزازي، فليس سوى محطة جديدة في مسار طويل، عنوانه الأبرز: كيف يمكن لمدينة بحجم أكادير أن تتحول من ورش دائم إلى نموذج تنموي مكتمل الأركان، يوازن بين الطموح الاقتصادي وانتظارات السكان، ويجعل من التنمية واقعا يوميا لا مجرد عناوين للمشاريع والبرامج.