الانتفاضة/ سيداتي بيدا
يقال قديمًا
كذب المنجمون ولو صدقوا.
أما في زمننا، فقد بات كثيرون يرددون بمرارة
كذب بعض المسؤولين ولو أقسموا.
فالمشكلة لم تعد في خطأ التوقعات، بل في وعود تصاغ بإتقان، وتُقدم بابتسامة عريضة، ثم تُدفن في أول منعطف للمصلحة.
ليس أخطر على المجتمع من مسؤول يفقد قيمة الكلمة.
فالمسؤولية ليست بدلة أنيقة، ولا ربطة عنق فاخرة، ولا سيارة تثير الإعجاب، بل عهد أخلاقي يربط صاحبه بالناس. وحين تتحول الوعود إلى وسيلة للاستدراج، ويصبح الكذب أداة لإدارة العلاقات، تنهار الثقة قبل أن تنهار المؤسسات.
كم من مواطن صدّق وعدًا قُطع له بكل ثقة، وانتظر أيامًا وأسابيع وربما أشهرًا، ليكتشف أن ما سمعه لم يكن سوى كلمات منمقة صيغت بعناية لإسكاته مؤقتًا. في البداية، يُغدق المسؤول عبارات الامتنان والثناء، ويُشعرك بأنك أمام شخصية استثنائية لا تنكر الجميل، حتى يخيل إليك أن الوفاء يسير على قدمين.

لكن ما إن تنقضي المصلحة حتى يسقط القناع، ويظهر الوجه الآخر؛ وجه المماطلة، والتسويف، والوعود المؤجلة إلى أجل غير مسمى.
تبدأ الحكاية بكذبة صغيرة، ثم تتبعها أخرى أكبر، حتى يصبح الكذب نفسه سياسة عمل، ويغدو الاعتذار رفاهية لا يمارسها إلا أصحاب الضمير. وكل يوم يولد عذر جديد، وقصة جديدة، وموعد جديد، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن الوعد لم يكن يومًا مقصودًا الوفاء به.
والمؤلم أن بعض المسؤولين يظنون أن الناس تنسى، وأن الذاكرة قصيرة، وأن الكلمات قادرة دائمًا على ترميم ما هدمه الكذب.
لكنهم ينسون أن الثقة إذا انكسرت لا تعود كما كانت، وأن المسؤول الذي يستهين بصدق حديثه يفقد هيبته قبل أن يفقد منصبه.
إن الإدارة التي تدار بالوعود الكاذبة لا تصنع تنمية، بل تُنتج الإحباط، وتزرع اليأس، وتقتل روح المبادرة لدى المواطنين. فالمجتمعات لا تنهض بالخطب الرنانة، وإنما تنهض بالوفاء بالعهد، واحترام الالتزام، والصدق في القول قبل الفعل.
لسنا بحاجة إلى مسؤولين يتقنون فن الخطابة بقدر حاجتنا إلى رجال ونساء يملكون شجاعة الالتزام بما يقولون.

فالتاريخ لا يحفظ عدد الابتسامات التي وُزعت على الناس، بل يحفظ المواقف الصادقة، والوعود التي تحولت إلى أفعال.
ويبقى السؤال الصارخ: كم من مؤسسة فقدت احترام الناس بسبب مسؤول جعل الكذب أسلوبًا، والتملق وسيلة، والخداع منهجًا؟ فالأوطان لا تهزمها قلة الإمكانات بقدر ما يهزمها انهيار الأخلاق عندما يصبح الوعد مجرد وسيلة للعب بمشاعر الآخرين، لا عهدًا يصان ولا كلمة تحترم.