الإنتفاضة/محمد السعيد مازغ
بعد ذبـ.ـح الأضحية، قررت أسرة السيد أمين الصغيرة استغلال العطلة المدرسية بمدينة الصويرة، تلك المدينة التي ارتبط اسمها بالهدوء والأمان واعتدال الطقس وسحر الشاطئ. كانت الرحلة فرصة للراحة وتغيير الأجواء والهروب من صخب المدن الكبرى، غير أن الواقع حمل للأسرة مفاجآت لم تكن في الحسبان.
كان أول امتحان في انتظارها البحث عن مسكن للكراء اليومي بثمن معقول وتجهيزات مقبولة. ساعات طويلة قضتها الأسرة تتنقل بين الأزقة والطرقات خلف أحد الوسطاء الذي كان يهرول بخطوات متسارعة من منزل إلى آخر، يطرق الأبواب ويعرض الخيارات المتاحة. لكن النتيجة كانت واحدة تقريباً؛ إما أثمان مرتفعة تفوق الإمكانيات، أو مساكن تفتقر إلى أبسط شروط الراحة. وأمام ضيق الخيارات، لم يكن أمام الأسرة سوى القبول بالموجود، فكما يقال: للضرورة أحكام.
ولم تتوقف المتاعب عند هذا الحد. فبعد الاستقرار بالمسكن، اكتشفت الأسرة أن قنينة الغاز فارغة، فيما كانت المتاجر قد أغلقت أبوابها بمناسبة العيد… أصبح إعداد وجبة بسيطة أمراً مستحيلاً، فكان الحل التوجه إلى مطاعم المدينة وسناكاتها. غير أن المفاجأة كانت أكبر من المتوقع؛ فمعظمها كان مغلقاً خلال الأيام الأولى للعيد، بينما بدت الحركة التجارية شبه مشلولة، باستثناء بعض المقاهي التي تكتفي بتقديم المشروبات لزبائنها.
وبينما كانت الأسرة منشغلة بتدبير تفاصيل يومها، بدأت تكتشف وجهاً آخر للمدينة. مواقف السيارات مكتظة عن آخرها، وسياح أجانب يرقصون على أنغام الموسيقى المنبعثة من الساحة الشهيرة غير معنيين بهموم الساكنة وما يجري بالمدينة، فيما كانت الأزبال متناثرة في عدد من الأزقة والأحياء السكنية. عربات “الكوتشي” التي تضفي عادة على المدينة لمسة خاصة بدت هي الأخرى متوقفة، بينما فرضت مظاهر الفوضى نفسها في بعض الفضاءات.
وعلى مقربة من مؤسسات تعليمية وأماكن عمومية، انشغل بعض الشباب بشي رؤوس الأضاحي، تاركين وراءهم مخلفات وروائح ومشاهد لا تنسجم مع جمالية المدينة ولا مع صورتها كوجهة سياحية تستقبل آلاف الزوار كل سنة.
في تلك الأثناء، ابتسم أحد السكان وهو يهمس للسيد أمين قائلاً: «معظم المسؤولين غادروا المدينة لقضاء عطلة العيد، وتركوا أمرها لسكانها. هم أحرار بين المحافظة على نظافتها أو المساهمة في تلويثها، إنها مسألة وعي، فلا يمكن لعمال النظافة وحدهم أن يتحملوا مسؤولية ما تتعرض له البيئة على يد بعض الساكنة». كانت كلمات عابرة، لكنها حملت في طياتها الكثير من المعاني والأسئلة.
أغمض السيد أمين عينيه للحظات، وكأنه يحاول أن يحجب عن نفسه المزيد من المشاهد التي تعكر صفو الرحلة. لم يعد يبحث عن الترفيه أو الاستجمام، بل عن أبسط الضروريات؛ رغيف خبز وبعض المأكولات الخفيفة التي تسد الجوع. قصد أحد الأسواق الكبرى على أمل أن يجد ضالته، غير أن الرفوف الفارغة كانت في استقباله. اختفى الخبز من السلال، ونفدت العديد من المواد الأساسية التي يحتاجها الزوار والسكان في مثل هذه المناسبة.
وأمام هذا الوضع، لم يجد بداً من مغادرة المدينة وقلبه مثقل بالحسرة. ليس لأن العطلة لم تسر كما خطط لها، بل لأن الصويرة، بما تملكه من مؤهلات طبيعية وسياحية وإنسانية، تستحق تدبيراً أفضل في الفترات التي تعرف توافداً كبيراً للزوار. غادر وهو يحمل في ذاكرته صورتين متناقضتين؛ الأولى لمدينة جميلة عشقها المغاربة لجمالها وهدوئها وسحر بحرها، والثانية لمدينة أربكتها الفوضى وغياب الاستعداد في أيام كان يفترض أن تكون مناسبة لإبراز أجمل ما فيها واستقبال ضيوفها بما يليق بمكانتها.