أمريكا لا تريد التفاوض.. بل تريد توقيع صكّ استسلام

الانتفاضة

هي لا تأتي إلى الطاولة باعتبارها فضاءً للحوار بين خصمين متكافئين، ولا باعتبارها آلية لتسوية نزاع وفق منطق المصالح المتبادلة بل تأتي بعقلية المنتصر الذي لا يرى في المفاوضات سوى لحظة أخيرة لإشهار شروطه.

ما يُعرض على إيران ليس اتفاقا بل وثيقة إذعان مكتوبة بلغة القوة.

الصورة الأبلغ لفهم هذا المشهد هي صورة النسر الحبيس.

نسرٌ جريح، شامخ بطبيعته، خُلِق ليحلّق في الأعالي، أُلقي به في قفص من حديد. ثم يأتي السجّان ليخيّره بين أمرين: إما أن يبقى أسير القضبان، يتآكل ببطء تحت وطأة الجوع والعزلة، وإما أن يُفتح له باب القفص بعد أن تُقصّ مخالبه وتُكسر جناحاه، ويُلقى به في العراء لا حرًّا بل فريسةً مستباحة لكل وحش مارّ.

هذه هي الفلسفة الأمريكية في إدارة التفاوض: ليس التفاهم مع الخصم بل تجريده من أسباب قوته. فالقفص هنا هو نظام العقوبات الخانق والحصار المالي والعزل الدبلوماسي والتهديد العسكري الدائم.

أما المخالب فهي أدوات الردع، والجناحان هما القدرة على الحركة الإقليمية والاستقلال في القرار السيادي.

وحين يُطلب من النسر أن يختار، فذلك ليس اختيارا حقيقيا، لأن الاختيار تحت الإكراه ليس إلا وجها آخر للإذعان.

أن تبقى في القفص أو تخرج منزوع القوة، كلاهما في المنطق الأمريكي يؤدي إلى النتيجة نفسها: نسرٌ لم يعد نسرا.

إن واشنطن لا تريد من إيران أن تغيّر سلوكها فحسب بل تريدها أن تغيّر طبيعتها. تريدها دولة بلا مخالب، بلا أجنحة، بلا قدرة على الارتفاع فوق المستوى الذي رُسم لها.

تريدها كيانا منزوع الإرادة، يقبل بالعيش داخل توازنات صاغتها القوة الأمريكية وحدها.

هنا لا تعود المفاوضات فعلا سياسيا نبيلا، بل تتحول إلى طقس من طقوس الهيمنة؛ مشهد يُراد منه إضفاء شرعية تفاوضية على عملية كسر الخصم.

فالغاية ليست السلام وإنما إعادة تشكيل موازين القوة على صورة المنتصر.

إنه تفاوض بمنطق الصياد الذي لا يفاوض النسر على حقه في السماء، بل يفاوضه على عدد الريشات التي سيسمح له بالاحتفاظ بها قبل أن يتركه في البرية لا ليطير بل ليموت ببطء.

التعليقات مغلقة.