الانتفاضة/ مولاي حفيظ القضاوي
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وأصبحت فيه الجرأة بديلاً عن الكفاءة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي موجة سخرية عارمة على خلفية معلومة – بصرف النظر عن مدى صحتها – مفادها أن شخصًا لا يمتلك أدنى المؤهلات يفكر في الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة. قد يبدو الأمر للبعض مجرد مادة للضحك أو التندر، لكنه في العمق جرس إنذار مدوٍّ، يكشف حجم التسيّب الذي بدأ يتسلل إلى أخطر مؤسسات الدولة: المؤسسة التشريعية.
لسنا هنا بصدد الخوض في أعراض الناس أو النيل من كرامة أي شخص، فذلك خط أحمر لا يُمس. لكن الفكرة في حد ذاتها صادمة: كيف أصبح الوصول إلى قبة البرلمان احتمالًا وارداً لكل من هبّ ودبّ؟ كيف تجرأ البعض على اعتبار التمثيلية الشعبية مجرد فرصة شخصية أو مغامرة عابرة، لا مسؤولية وطنية ثقيلة تتطلب حدًا أدنى من الكفاءة والنضج والوعي؟
ما يحدث اليوم ليس وليد الصدفة. لقد بدأ الأمر منذ سنوات، حين تم تبخيس العمل الجمعوي، وتحويله من فضاء للتأطير والتكوين وخدمة الصالح العام إلى ملاذ لكل من فشل اجتماعيًا أو تعليميًا. أُفرغت الجمعيات من روحها، وفُتحت الأبواب على مصراعيها دون ضوابط حقيقية، فاختلط الجاد بالهزيل، والفاعل الحقيقي بالمتسلق الانتهازي. ومن هناك، بدأ التدرج الطبيعي نحو ما هو أخطر: التطلع إلى مواقع القرار.
أن يفكر شخص غير مؤهل في الترشح للبرلمان، فهذه ليست جرأة فردية فقط، بل نتيجة طبيعية لبيئة سمحت بتطبيع الرداءة. الأخطر من ذلك، أن هذا الشخص قد يرى نفسه فعلًا جديرًا بالمقعد، وقد يقنع غيره بذلك، وقد يصل يومًا – في ظل هذا الانحدار – إلى موقع مسؤولية أكبر، وربما إلى الحكومة نفسها. حينها، لن نتذكر إلا تلك “اللحظة التافهة” التي كانت في بدايتها مادة للسخرية، قبل أن تتحول إلى واقع مرير.
إنها ليست قضية شخص، بل قضية مسار. مسار يهدد بتحويل المؤسسات التمثيلية إلى فضاءات خاوية من المعنى، تعج بالأسماء دون القيمة، وبالأصوات دون الوعي. وهذا ما يفرض اليوم وقفة حازمة، ليس فقط أخلاقيًا، بل قانونيًا أيضًا.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في شروط الترشح، ووضع معايير واضحة وصارمة تضمن الحد الأدنى من التأهيل العلمي والثقافي والفكري والاجتماعي. ليس إقصاءً لأحد، بل حمايةً لمستقبل بلد بأكمله. فالمؤسسات لا تُبنى بالنيات، ولا تُدار بالشعارات، بل بالكفاءة والمسؤولية.
كفى استهتارًا. كفى استخفافًا بعقول الناس وبمصير وطن. إن الديمقراطية لا تعني فتح الأبواب بلا حراسة، بل تعني ضمان أن من يعبر تلك الأبواب يستحق فعلًا أن يكون هناك.
التعليقات مغلقة.