شوارع الإقليم تحتضن وجعًا بلا مأوى… حضور مزعج لمرضى نفسيين بين الأسواق والأحياء

الانتفاضة // محمد حجوي

في مشهد يتكرر يوميًا بمدن وقرى إقليم قلعة السراغنة، وصولًا إلى جماعتي تملالت والعطاوية، يتحول الشارع العام إلى فضاء تعيش فيه فئة هشة تعاني اضطرابات نفسية حادة، دون سند أو رعاية. إنها الظاهرة التي صارت تفرض نفسها بقوة على المارة وسكان الأحياء، حيث بات وجود أشخاص يعانون اضطرابات نفسية واضحة في الأسواق والمفترقات الطرقية مشهدًا مألوفًا، لكنه يطرح أسئلة ثقيلة حول غياب الحماية والرعاية لهذه الفئة.

يتجول هؤلاء الأشخاص في حالة من العراء، بعضهم يعاني هذاءات كلامية واضطرابات سلوكية حادة، بينما يظهر آخرون في حالة إهمال جسدي مزرٍ، ما يعكس غياب أي متابعة طبية أو اجتماعية. الأكثر قسوة أن بعضهم يقضي لياليه في العراء، لا يؤويه بيت، ولا يلمسه سؤال الجيران أو المارة سوى بلحظات استثنائية يكون فيها الخطر محدقًا به أو بغيره.

هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على مركز مدينة قلعة السراغنة فقط، بل امتدت إلى المناطق المجاورة، خصوصًا تملالت والعطاوية، حيث صارت الأسر تشعر بقلق متزايد من تعامل الأطفال أو النساء مع حالات قد تصدر عنها ردود فعل عنيفة نتيجة غياب الوعي بطبيعة المرض أو غياب أي تدخل لضبط الحالة. كما أن تواجد هؤلاء المرضى بشكل يومي في محيط الأسواق يخلق مزيجًا من الشفقة والخوف لدى المواطنين.

واقع الحال يؤكد أن غياب بنية تحتية ملائمة للرعاية النفسية المتنقلة أو فضاءات استقبال آمنة في هذه المناطق، إضافة إلى ضعف آليات التكفل المبكر بالحالات، كلها عوامل تُسهم في استمرار تحول الشارع إلى ملجأ غير آمن لمرضى يعانون ما يكفي من الألم النفسي قبل أن يضاف إليه ألم العيش في الشارع.

لعل اللافت أن هذه الفئة باتت جزءًا من المشهد اليومي، وكأن المجتمع قد بدأ يتعامل معها على أنها “أمر واقع”، بينما الحقيقة أن استمرار الوضع على ما هو عليه يعد تراجعًا في مكاسب الرعاية الاجتماعية التي راكمها الإقليم في مجالات أخرى. فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون توفير حد أدنى من الكرامة لهذه الفئة، التي هي في أمس الحاجة إلى نظرة مختلفة بعيدًا عن الاستبعاد أو التهميش.

في ظل ما تعرفه المنطقة من دينامية عمرانية وتنموية، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد صيغة عملية لرعاية هؤلاء المرضى، عبر إحداث فضاءات للرعاية المؤقتة، أو تعزيز الفرق المتنقلة، أو على الأقل توفير ملاجئ ليلية مؤقتة، مع إشراك الأسر في متابعة حالات أبنائها قبل أن تتفاقم وتتحول إلى مآسي إنسانية واجتماعية.

يبقى الأمل أن تسهم يقظة المجتمع وانفتاحه على قضايا الصحة النفسية في الضغط لاتخاذ إجراءات عملية، تنقل هؤلاء المرضى من خانة “الظواهر المزعجة” إلى فضاءات الرعاية والعلاج، بعيدًا عن قسوة الشارع وبرودة الأرصفة.

التعليقات مغلقة.