الانتفاضة / نورالهدى العيساوي
كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، في تقرير تحليلي موسّع استند إلى صور أقمار صناعية عالية الدقة وشهادات خبراء عسكريين، عن حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية المرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني، وذلك عقب أسابيع من الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدفت مواقع عسكرية حساسة داخل إيران.
ووفقًا للتحليل، لم تقتصر الهجمات على أهداف محدودة، بل شملت نطاقًا واسعًا من المنشآت الحيوية المرتبطة بإنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية، حيث تم تسجيل تضرر ما لا يقل عن 29 موقعًا مخصصًا للإطلاق، إلى جانب أربعة من أهم مراكز التصنيع الاستراتيجية، وهي مجمعات خوجير وبارشين وحكيمية وشاهرود، التي تُعد العمود الفقري لمنظومة تطوير الصواريخ الإيرانية، سواء تلك التي تعتمد على الوقود الصلب أو السائل.
وتُظهر البيانات المستقاة من تحليل الصور الفضائية أن الضربات الجوية أدت إلى تدمير واسع داخل هذه المنشآت، بما في ذلك انهيار أو تضرر عشرات المباني التي تضم مراكز البحث والتطوير، وخطوط الإنتاج، ووحدات التجميع. كما طالت الأضرار منصات إطلاق الصواريخ الموجودة فوق سطح الأرض، في حين تسببت الغارات في إغلاق مداخل أنفاق تحت أرضية تُستخدم لتخزين الصواريخ، وهو ما أدى إلى تعطيل الوصول إلى جزء مهم من الترسانة الصاروخية الإيرانية.

ويشير خبراء في تحليل الصور العسكرية إلى أن تأثير هذه الضربات يتجاوز الخسائر المادية المباشرة، ليشمل تعطيلًا هيكليًا في منظومة الإنتاج والتشغيل، حيث أدت الأضرار إلى إرباك سلاسل الإمداد ووقف عمليات التصنيع بشكل مؤقت، خصوصًا فيما يتعلق بالصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في العقيدة العسكرية الإيرانية.
وفي السياق ذاته، أكد محللون أن استهداف منشآت إنتاج الوقود الصلب يمثل ضربة نوعية، نظرًا لاعتماد إيران الكبير عليه في تشغيل الصواريخ قصيرة المدى، التي تتميز بسرعة الجاهزية والإطلاق. أما فيما يتعلق بالوقود السائل المستخدم في الصواريخ الأطول مدى، فإن إعادة إنتاجه تتطلب وقتًا أطول وإجراءات تقنية أكثر تعقيدًا، ما يجعل هذه المنشآت عرضة للاستهداف لفترات أطول في حال استمرار العمليات العسكرية.
وتُبرز المقارنات التي أجراها الخبراء أن مستوى الدمار المسجل حاليًا يفوق بشكل ملحوظ ما تعرضت له هذه المنشآت خلال جولات سابقة من التصعيد، بما في ذلك المواجهات التي عُرفت بحرب الأيام الاثني عشر، وكذلك الهجمات التي وقعت في أكتوبر 2024، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة ونطاق العمليات العسكرية الموجهة ضد البرنامج الصاروخي الإيراني.
ومنذ بداية هذه الحملة، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل آلاف الضربات التي استهدفت طيفًا واسعًا من الأهداف العسكرية، مع تركيز خاص على تقويض القدرات الصاروخية التي تُعد إحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية الدفاعية والهجومية لإيران. ويؤكد التقرير أن هذه الضربات لا تستهدف فقط الحد من القدرات الحالية، بل تسعى أيضًا إلى إبطاء أي جهود مستقبلية لإعادة بناء البرنامج الصاروخي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مختصون أن إيران ستواجه تحديات كبيرة في استعادة قدرتها الإنتاجية على المدى القريب، خاصة في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحساسة، واستمرار المراقبة الدقيقة للمواقع العسكرية عبر الأقمار الصناعية وتقنيات الاستطلاع الحديثة. كما يُرجح أن تدفع هذه التطورات طهران إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الصاروخية، سواء من حيث طرق الإنتاج أو أساليب التخزين والنشر، في محاولة للحفاظ على توازن الردع في منطقة تشهد تصاعدًا مستمرًا في التوترات العسكرية.