الغش وارتفاع الأسعار في الأسواق المغربية.. متى يشعر المستهلك بالحماية الحقيقية؟

الانتفاضة // إلهام اوكادير

في خبر عابر قرأته قبل يومان، أعلنت وزارة التجارة والصناعة في دولة قطر إغلاق محل تجاري بسبب رفعه للأسعار بشكل غير قانوني، فقد يبدو لنا الأمر كمغاربة عادياً ومفترض، لكنه في عمق العديد من المجتمعات يمثل رسالة قوية: فهناك مؤسسات تقف فعلاً إلى جانب المستهلك، وتتحرك بسرعة وحزم كلما تعلق الأمر بحماية حقه في سعر عادل ومعاملة نزيهة وجودة مضمونة.

هذا الخبر البسيط، إلى جانب ما يعايشه كلّ من يزور هذا البلد وغيره من انظباط تام ولتزام مخيف بالضوابط التجارة وخدمة المستهلك، جعلني أتوقف طويلاً عند واقع مختلف نعيشه في المغرب، حيث تتكرر مظاهر الغش والتلاعب بالأسعار والجودة في عدد من الأسواق والأنشطة التجارية، في مشهد بات يؤلم كل من يتابع تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط، فالمغربي الذي يدخل السوق اليوم لا يفكر فقط في ما سيشتريه، بل يتساءل أيضاً إن كان السعر عادلاً فعلاً، أو إن كانت جودة المنتوج كما تُعرض أمامه.

كما أنّ الأمر يزداد إيلاماً حين نتذكر أن القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المغاربة تعيش أصلاً تحت ضغط متواصل، حيث تكاليف المعيشة في ارتفاع، والدخل بالنسبة لكثير من الأسر بالكاد يكفي لتغطية الحاجيات الأساسية، ومع ذلك، يجد المستهلك نفسه في مواجهة ممارسات لا تراعي هذا الواقع، من رفع غير مبرر للأسعار، إلى التلاعب بجودة السلع، وصولاً أحياناً إلى الغش الصريح.في المغرب توجد بالفعل ترسانة قانونية يفترض أن تحمي المستهلك، أبرزها القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك، والذي ينص على حق المواطن في الإعلام الواضح حول الأسعار، وفي السلامة الصحية للمنتجات، وفي الحماية من الممارسات التجارية المضللة. كما توجد جمعيات متعددة لحماية المستهلك تعمل على استقبال شكايات المواطنين ومرافقتهم قانونياً عند الضرورة.

غير أن الواقع يكشف أن المسافة بين النص القانوني والتطبيق على أرض الواقع ما تزال واسعة في كثير من الأحيان، فالمستهلك الذي يتعرض للغش أو التلاعب بالأسعار يجد نفسه أمام مساطر طويلة ومعقدة، وقد يضطر إلى تقديم شكايات وانتظار نتائج قد تتأخر، بينما يستمر بعض التجار ووالسماسرة عديمي الضمير في ممارساتهم دون خوف حقيقي من العقاب الفوري.

صحيح أن مصالح الوزارة الواصية تطلق بين الفينة والأخرى حملات مراقبة للأسواق، خصوصاً خلال المناسبات الاستهلاكية الكبرى، كما يتم الإعلان عن أرقام هاتفية ومنصات رقمية لتلقي شكايات المواطنين، غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل غير كافية نهائيا لمواجهة حجم الاختلالات المنتشرة في الأسواق.

وقد كشفت الأيام الأولى من شهر رمضان، مرة أخرى، عن جزء من هذه الاختلالات، بعدما أعلنت السلطات في عدد من المدن عن ضبط حالات تتعلق بالغش في المواد الغذائية، واستعمال مكونات غير صالحة للاستهلاك، بل وحتى حجز كميات من اللحوم الفاسدة داخل بعض والمجازر، وهي وقائع صادمة لأنها لا تمس فقط بجيوب المواطنين، بل بصحتهم وسلامتهم الغذائية أيضاً.

إنّ ما يؤلم أكثر في هذه القصص هو أنها تسيء أولاً إلى صورة السوق المغربي نفسه، وتظلم آلاف التجار الشرفاء الذين يشتغلون بضمير مهني ويحافظون على ثقة زبنائهم، فالغش لا يضرّ المستهلك فقط، بل يضرب أيضاً مبدأ المنافسة الشريفة ويشوه سمعة قطاع كامل، إن كان هناك من لا يزال يحترم هذا المبدأ من الأساس.

السوق ليس غابة، ولا ينبغي أن يكون مجالاً مفتوحاً للاستغلال والربح السريع على حساب صحة الناس وكرامتهم، السوق فضاء يفترض أن تحكمه قواعد واضحة: سعر معلن بشفافية، جودة مضمونة، ورقابة صارمة لا تتسامح مع أي تلاعب.

المغاربة لا يطلبون المستحيل، إنّ كل ما يريده المواطن البسيط هو أن يدخل السوق مطمئناً، وأن يشتري حاجيات أسرته دون خوف من الغش أو الاستغلال، يريد أن يشعر أن هناك من يحميه فعلاً، لا فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر إجراءات حازمة تردع كل من يعبث بسلامة الناس أو يستهدف جيوبهم.

إن حماية المستهلك ليست ترفاً تشريعياً، بل هي جزء من كرامة المواطن ومن ثقة المجتمع في مؤسساته، فعندما يشعر المواطن أن السوق عادل وأن القانون يقف إلى جانبه، فإن ذلك لا يحمي جيبه فقط، بل يعزز أيضاً ثقته وثقة غيره في الاقتصاد وفي روح التضامن داخل المجتمع.

ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول محاربة الغش والتلاعب في الأسواق إلى أولوية يومية، لا مجرد حملات ظرفية، لأن المغرب الذي نحبه جميعاً يستحق أسواقاً نظيفة، وتجارة شريفة، ومستهلكاً يشعر أن حقه مصون وأن كرامته ليست عرضة للمساومة.

التعليقات مغلقة.