حين تتحول “السلطة الرابعة” إلى أداة تلميع: تدوينة تكشف جهل و مستوى بعض مدّعي الصحافة

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، وأصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي منصة مفتوحة للنشر، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل في ادعاء البعض الانتماء إلى الجسم الصحفي دون امتلاك الحد الأدنى من المهنية أو الدقة أو المسؤولية.
وما نُشر يوم أمس على صفحة أحد الأشخاص الذي يقدّم نفسه تارة بصفة “مصور صحفي”، وتارة “مراسل”، وأحياناً “صحفي”، ليس إلا مثالاً صارخاً على هذا الانحدار الذي بات يسيء إلى مهنة الصحافة ويشوّه صورتها أمام الرأي العام.

فالتدوينة التي لا تتجاوز بضعة أسطر، والمكوّنة من فقرة قصيرة، كشفت عن كمٍّ هائل من الأخطاء الإملائية والمغالطات في المعطيات والبيانات، وهو أمر لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال إذا كان صاحبها يدّعي المهنية والانتماء إلى سلطة توصف تقليدياً بـ “السلطة الرابعة”.

وجاء في التدوينة المذكورة حرفياً:
(حلّت صباح اليوم، على الساعة التاسعة، لجنة تقنية بمنطقة جليز، مكوّنة من مهندسين وأطر بالمجلس الجماعي، برئاسة السيد سمير، المدير التقني للجماعات المحلية).

غير أن هذه الجملة وحدها تكشف خللاً واضحاً في نقل المعلومة، فالشخص الذي أشار إليه صاحب التدوينة بصفته “المدير التقني للجماعات المحلية” ليس كذلك إطلاقاً. والصحيح أن “السيد سمير لعريبية” هو رئيس قسم الدراسات والتخطيط والتحول الرقمي بجماعة مراكش، وليس “المدير التقني للجماعات المحلية”، وهنا يطرح السؤال نفسه:
عن أي جماعات يتحدث صاحب التدوينة؟
هل يقصد جماعات الجهة؟ أم جماعات المغرب ككل؟
أم أن الأمر مجرد تضخيم للصفات في محاولة لتلميع صورة المسؤولين والتقرب إليهم؟

الخلل لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى مضمون التدوينة نفسها عندما أشار صاحبها إلى أن اللجنة التقنية حلت بالمنطقة “في إطار تتبع أشغال تبليط وصباغة العمارات”، وهنا يصبح السؤال أكثر جدية:
هل من اختصاص الجماعة أن تقوم بتبليط وصباغة العمارات الخاصة من المال العام؟
وأي عمارات يقصد تحديداً؟
أليس من حق الرأي العام أن يتساءل عن طبيعة هذه الأشغال ومصدر تمويلها؟

بل إن مثل هذه المعطيات تستدعي، إن صحّت، توضيحات رسمية، بل وربما تدخل الجهات الرقابية المختصة مثل وزارة الداخلية و المجلس الأعلى للحسابات، لتحديد ما إذا كانت هذه الأشغال تدخل فعلاً ضمن اختصاصات الجماعة أم أن الأمر مجرد خلط في المفاهيم لدى صاحب التدوينة.

أما العبارة التي ختم بها تدوينته فقد زادت الطين بلّة، إذ قال:
(في إطار مواكبة سير الورش من أجل إعدتها على طبعها الأصلي).

وهنا يظهر الخلل اللغوي والمعرفي معاً. فالتعبير نفسه يعاني من خطأ إملائي واضح في كلمة “إعدتها”، فضلاً عن استعمال غير دقيق لمفهوم “الطبع الأصلي”، فهل أصبحت العمارات، في تصور صاحب التدوينة، كياناً معنوياً له “طبع” أصلي وآخر غير أصلي؟
وإن كان المقصود هو إعادة العمارات إلى حالتها الأصلية، فهل كانت فعلاً على هذا الشكل في الأصل؟
ومن المسؤول عن تغيير تلك الحالة إن كان الأمر كذلك؟

إن مثل هذه الأخطاء لا يمكن اعتبارها مجرد هفوات بسيطة، بل تعكس غياباً واضحاً لأبسط قواعد العمل الصحفي، الذي يقوم أساساً على الدقة في نقل المعلومة، والتحقق من المعطيات، واحترام اللغة، وتقديم الخبر في سياقه الصحيح.

المشكلة الحقيقية ليست في خطأ لغوي هنا أو معلومة غير دقيقة هناك، بل في ظاهرة أخطر تتمثل في استغلال صفة “الصحافة” لأغراض أخرى لا علاقة لها بالمهنة. فبدل أن تكون الصحافة أداة لكشف الحقيقة والدفاع عن الصالح العام، تحولت لدى البعض إلى وسيلة للتملق والاقتراب من أصحاب القرار، بحثاً عن المصالح الشخصية أو الامتيازات.

وقد سبق أن أشرنا في مقال سابق إلى هذه الظاهرة تحت عنوان “الرقم الأخضر لا يخطئ… وكفاكم تبييضاً لوجه الفساد القبيح”، حيث تم التنبيه إلى خطر ما يُعرف بـ “الصحافة الصفراء” التي لا تهتم بالحقيقة بقدر ما تهتم بخدمة أجندات ضيقة.

إن الصحافة، في جوهرها، ليست أداة للدعاية ولا وسيلة للتسول المهني، بل رسالة ومسؤولية، وهي مهنة شريفة تقوم على الدفاع عن الحق، وكشف الباطل، ومساءلة المسؤولين، ومحاربة الفساد، لا على تلميع صورته أو التغطية عليه.

ولهذا سُمّيت الصحافة تاريخياً بالسلطة الرابعة، لأنها تشكل سلطة رقابية أخلاقية ومعنوية إلى جانب السلطات الأخرى، وتسهم في ترسيخ قيم العدالة والشفافية وسيادة القانون.

أما أولئك الذين يحولونها إلى وسيلة للارتزاق أو تصفية الحسابات أو التقرب من المنتخبين والمسؤولين، فهم في الحقيقة لا يخدمون الصحافة ولا المجتمع، بل يسيئون إلى مهنة لها تاريخ طويل من النضال والتضحيات.

لذلك، فإن حماية مصداقية الصحافة تقتضي اليوم أكثر من أي وقت مضى التمييز بين الصحفي المهني الحقيقي وبين من يستعمل هذه الصفة غطاءً لتحقيق مصالحه الخاصة.

فالصحافة ليست لقباً يُكتب على صفحة فيسبوك، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية قبل كل شيء. ومن لا يمتلك أدواتها ولا يحترم قواعدها، فالأجدر به أن يبتعد عنها بدل الإساءة إلى واحدة من أشرف المهن.

التعليقات مغلقة.