الانتفاضة/ متابعة: سعيد الهركاوي
لم تكن دورة مارس العادية، المنعقدة يوم 02 مارس 2026، مجرد محطة دستورية لتصريف جدول أعمال اعتيادي، بل جاءت كتعبير سياسي ومؤسساتي عن لحظة نضج في مسار الجهوية المتقدمة. داخل قاعة الاجتماعات، وتحت رئاسة سمير كودار، وبحضور والي الجهة خطيب الهبيل، تشكل مشهد توافق نادر، أرسل رسالة واضحة مفادها: التنمية ليست شعاراً، بل تعاقداً جماعياً يتطلب الانضباط والرؤية والسرعة في الإنجاز.
-إجماع الـ19 نقطة… هندسة دقيقة للأولويات
المصادقة بالإجماع على 19 نقطة لم تكن نتيجة مجاملة سياسية، بل ثمرة اشتغال قبلي داخل اللجان الدائمة، حيث تم تدقيق المشاريع وضبط أولوياتها وفق مقاربة تراعي التوازن بين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
في صدارة هذه النقاط، برز ملف المنصة الصناعية بـتامنصورت، التي يُراد لها أن تتحول من امتداد عمراني هادئ إلى قطب إنتاجي حقيقي بجماعة حربيل. آلية تفويت القطع الأرضية عبر المزايدة العلنية تعكس إرادة واضحة لجلب استثمارات ذات قيمة مضافة، وتوفير مناصب شغل قارة، وفك الضغط عن مركز مدينة مراكش.
إن الرهان هنا ليس عمرانياً فقط، بل استراتيجي: خلق دينامية صناعية قادرة على إدماج الشباب في سوق الشغل، وربط الجهة بسلاسل الإنتاج الوطنية والدولية.
-الثقافة كرافعة تنموية… من آسفي إلى الصويرة
لم تغب الهوية الثقافية عن مداولات المجلس. فقد شكلت اتفاقيات تأهيل الأسوار التاريخية بمدينة آسفي خطوة لحماية الذاكرة المعمارية وتعزيز الجاذبية السياحية. كما حظيت مدينة الصويرة بدعم تعبئة الموارد لتنظيم مؤتمر شبكة المدن المبدعة التابعة لليونسكو، بما يعزز مكانة الجهة ضمن الخريطة الثقافية الدولية.
وفي السياق ذاته، تبرز اتفاقية “مركب حاضرة الفنون” (2026-2030) كمشروع استراتيجي يتجاوز منطق المناسبات، نحو بناء بنية ثقافية مستدامة تزاوج بين الإبداع والاقتصاد الثقافي.
إن هذه المشاريع تؤكد أن التنمية لا تُختزل في الإسمنت، بل تقوم أيضاً على الاستثمار في الرمزية والذاكرة والهوية.
-العدالة المجالية… قطار التنمية يصل إلى الهامش
من بين أبرز مخرجات الدورة، المصادقة على برامج التنمية المندمجة (2026-2028) بمركزي صخور الرحامنة وثلاثاء بوكدرة. هنا تتجسد فلسفة العدالة المجالية التي تشكل جوهر الجهوية المتقدمة: تقليص الفوارق الترابية، وربط المناطق الهشة بشبكة الخدمات والبنيات الأساسية.
كما شملت المداولات دعم التمكين الاقتصادي للنساء والتعاونيات، في توجه واضح نحو تعزيز الاقتصاد التضامني وخلق موارد دخل محلية. إلى جانب ذلك، تم تعزيز اتفاقية مستشفى الأمراض العقلية، ودعم مشاريع التعليم الأولي بشيشاوة، بما يعكس وضع الصحة والتعليم ضمن أولويات السياسات الجهوية.
الرسالة واضحة: الإنسان أولاً، والتنمية لا معنى لها دون كرامة اجتماعية.
-تناغم المنتخب والمعين… نموذج تدبيري متكامل
أبرز ما ميز الدورة، إشادة والي الجهة بسلاسة الأشغال وروح المسؤولية التي طبعت النقاش. هذا التناغم بين المؤسسة المنتخبة وسلطة التنسيق والمواكبة يعكس نموذجاً مغربياً في تدبير الشأن الجهوي، حيث تُقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
إن تجاوز منطق الصراعات الهامشية، والانتقال إلى لغة الأرقام والبرامج، يمنح الجهة صورة مستقرة وجاذبة للمستثمرين والشركاء المؤسساتيين.
-ما بعد الإجماع.. امتحان التنزيل
غير أن الإجماع السياسي، مهما كان قوياً، يظل نصف الطريق. التحدي الحقيقي يبدأ بعد المصادقة:
-هل ستنجح منصة تامنصورت في استقطاب رؤوس الأموال ضمن آجال معقولة؟
-هل ستتحول مشاريع تأهيل التراث إلى روافع حقيقية للسياحة الثقافية؟
-هل ستبلغ برامج التنمية المندمجة أثرها الملموس في القرى والمراكز الصاعدة؟
المواطن في مراكش وآسفي والصويرة والرحامنة وشيشاوة لا ينتظر البلاغات، بل ينتظر ورشاً مفتوحة، ومناصب شغل، وخدمات محسّنة.
-الجهوية حين تتحول إلى فعل
لقد جسدت دورة مارس 2026 لحظة وعي مؤسساتي بأن الجهة ليست فضاءً للتدبير الإداري فحسب، بل محركاً للنمو الاقتصادي والاجتماعي. بقيادة سمير كودار، أثبت المجلس أن الرؤية الواضحة والتوافق السياسي يمكن أن يتحولا إلى قوة اقتراحية حقيقية.
إن جهة مراكش-آسفي، في هذه الدورة، لم تقدم فقط 19 نقطة للمصادقة، بل رسمت ملامح قطب اقتصادي متكامل، يؤمن بأن الاستثمار، والهوية، والعدالة المجالية، أضلاع مثلث لا تستقيم التنمية بدونه.
والرهان الآن… هو الوفاء بالوعد.