الانتفاضة // إلهام أوكادير
بعد سنوات عدة من الإنتاجات الدرامية والستكومية الباهتة كما يصفها البعض من الجمهور الناقذ وعلى مدى سنوات، تجد الإنتاجات المغربية والدرامية نفسها من جديد أمام تحديات ليست بالمفاجأة، رهان التفرّد والحفاظ على الهوية المغربية الثقافية والفنية من جهة، ورهان النمطية المتوارثة التي لم تعد تحفظ ماء الوجه.
من المعروف أن شهر رمضان يعدّ مناسبة فريدة لعرض الإنتاجات الدرامية والسينمائية، لما تقدمه من فرصة سانحة لتحقيق مشاهدات قياسية لا تتوفر في غير كذا فترة، بسبب متابعة الجمهور المغربي للبرامج المعروضة خلال الساعات الطويلة من اليوم، وهو ما يدفع القنوات الرسمية والمعروفة إلى جانب شركات الإنتاج إلى السباق نحو إنتاج برامج وأفلام وغيرها من الإنتاجات الفنية، حتى تزامن بذلك عرضها الحصري مع فترة شهر رمضان، بما يحمله من فرص المشاهدة العالية طيلة الشهر.
لعلّ من أبرز ما يواجه الإنتاجات المغربية خلال هذا الشهر، هو عدم الرضا المتكرّر الذي تعبر عنه فئات واسعة من الجماهير المغربية، التي تعتبر المستهلك الأول لهذه الإنتاجات، إلا أنه ومن باب الأمانة، لا يمكننا الأخذ التامّ برأي الجمهور فنياً و نسطر هنا على كلمة فنياً، لا لسبب آخر سوى لحقيقة عدم تمكن العديد من هاته الجماهير من فهم الأدوات والدواعي والرسائل الفنية المشفرة التي يستخدمها ويستهدفها العاملون على إخراج عمل ما، حيث يكتفون في لغالب بانتقاد المشاهد التي تشعر بأنها خدشت حيائها عند الفرجة، أكثر من اهتمامها بصلب الموضوع أو الفكرة المُعالَجة، وما تمثله من تحديات حقيقية داخل المجتمع، ناهيك عن الإنتقاذات المتطايرة يمينا وشمالا بخصوص أداء بعض الممثلين لأدوارهم، بطرق لا تنمّ أبدا عن أي وعي أو فهم فنّي يُذكر.
ومع كلّ ذلك، يبقى المتلقّي الحلقة الحاسمة في كلّ ذلك، فهو المتفرج والناقذ و المستهدف، وإن لم ينجح إنتاج ما في لفت نظره وإثارة حماسه، يبقى دون جدوى وإن تميز بالجودة وحسن الأداء.
وعلى ما يبدو فإن هذا المتلقّي وخاصة “المغربي”، لا يجد ضالّته إلا في ما يُشابه هويته وواقعه المعاش، حيث أن العديد من الأرقام الماضية للقنوات الرسمية بل وحتى الأنترنت، أظهرت أن المغاربة وخاصة الفئات التي تتخذ من التلفزيون ملاذا للفرجة في رمضان، كثيرا ما انجذبوا لتلك الإنتاجات الدرامية والكوميدية التي لامست شيئا من طبيعتهم الإنسانية والثقافية إلى جانب واقعهم المعاش، أي تلك التي كانت صورة طبق الأصل لشخصيات مجتمعية حقيقية، نجدها هنا وهناك، تشابهه أو تستفزه سواء في طريقة تحدثها أو أفكارها أو مشاعرها أو مواقفها ككلّ، وكأنّ المشاهد كان يبحث عبر تتبعه لتلك الأعمال الفنية بالذات عن ما يُؤكد وجهة نظره وحكمه على بعض الأمور.
وهنا سنخص بالذكر على سبيل المثال لا الحصر عملا إثنين، لن يغيب أحدهما عن ذاكرة هاته الفئة التي نتحدث عنها ألا وهما “وجع التراب” و “كبور والشعيبية”، هذان العملان اللذان طبعا قلوب فئة واسعة من الجماهير، بسبب ما لامساه من قرب وتعاطف في نفوس المتابعين، ربما لأنّ كلاهما جاء بنسخ مجتمعية طبق الأصل لتلك التي يشملها المجتمع المغربي بمختلف تمثلاته، وربما لكونها لامست مشاعر ومواقف وظروفا عائلية تشابه تلك التي عايشوها أو مايزالون يعايشونها وهنا مربط الفرس.
فعلى ما يبدو، فإن نجاح العمل الفني في نظر المتفرّج المغبي لا يعتمد على معيار معيّن بقدر ما يعتمد على قرب وتشابه الشخصيات والمواقف المسطرة داخل السيناريو بتلك التي يعيشها المتفرج، فكلما تحقق ذلك، بلغ المنتجوج قدرا كبيرا من التعاطف والمتابعة لدى هاته الفئة.
من جهتنا لا نرى عيبا في ذلك، مادام ذلك يمثل رغبة المشاهد وفلسفته في انتقاء ما يعيره اهتمامه ومتابعته، بل نعتبر ذلك مفتاحا جيداً ومضموناً لكسب قلوب ومتابعة الفئات التي تتابع من هذا المنطق الهوياتي، العيب يكمن في محاولة إقناعنا لهذا الجمهور بأن العمل الفني الناجح هو ما يعتمد على عوامل أخرى، في محاولة لتوجيه انتباهه نحو الشهرة اللامعة لبعض الممثلين، واستقطاب الجديد من المؤثرين، وضخامة التكلفة الإنتاجية، وارتفاع أجور الممثلين، وغيرها من المعايير التي أصبحت تمثل حديث الساعة بالنسبة للأعمال الرمضانية.
وعلى ما يبدو فإن المتفرج المغربي يأبى الخروج عن ذوقه الفني النمطي، إذ لم يخضع يوما ما لما جادت به الساحة الفنية من أعمال جديدة ومستحدثة أو منقولة أو معادة كما هو الحال بالنسبة للعديد من الجماهير العربية، إنه قابع ومصرذ على ما يحبذه ويثيره، ولا ينزعج حتى من تكرارها ما دامت تشبهه وتشبه شخصياته واقعه المعاش.
في الختام نقول، إن ما يهم بالدرجة الأولى في أي بقعة فنية مجتمعية هو مدى رضا المتفرج المستهلك لا غير، إذ أن أي جهود لتوجيه هذا النمط من الجمهور نحو عناصر فنية أخرى، سيتطلب بالضرورة نهجها ضمن ما يشبهه ويثيره لا خارج ذلك، وإلا باءت بالفشل والرفض كما تم في العديد من الأعمال الرمضانية التي حاولت الخروج عن السياق المألوف لتجد نفسها خارج الساق ذاته، لا لعيب في المقصد، سوى صلابة الفرشة الفكرية المتحفظة إن صحّ القول، التي لا تسمح بذلك سوى في إطار يشابهها.
التعليقات مغلقة.