رقمنة العلاج بين رهانات التحديث وضمان حقوق المتقاعدين

الانتفاضة/// ✍ محمد الشندودي /// رئيس المجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة

تتابع هيئة المتقاعدين المغاربة باهتمام بالغ إطلاق تجربة ورقة العلاج الالكترونية بمدينة القنيطرة، باعتبارها خطوة تعكس توجها نحو تحديث منظومة الصحة الوطنية والرفع من جودة خدماتها. إننا ننظر إلى هذا التحول الرقمي كمنعطف مؤسساتي ستكون له انعكاسات مباشرة على فئة المتقاعدين، التي تظل الاكثر ارتباطا بالخدمات الصحية والاشد احتياجا الى نظام فعال ومنصف.

لقد عانى المتقاعدون لسنوات من تعقيدات المساطر الورقية، وطول آجال التعويض، وتكرار الاجراءات الادارية التي تستنزف الجهد والوقت. ومن هذا المنطلق، فإن رقمنة ورقة العلاج، تحت اشراف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تمثل فرصة حقيقية لتقليص الهدر الاداري، وتسريع معالجة الملفات، وتعزيز الشفافية في مسار التعويضات. غير ان نجاح هذه الخطوة يظل رهينا بمدى مراعاة خصوصية الفئات المتقدمة في السن، التي قد تواجه صعوبات في التكيف مع الانظمة الرقمية ان لم يواكبها تأطير وتوجيه كافيان.

إن مركزية الملف الطبي المشترك، وتوحيد قنوات تبادل المعطيات بين مختلف المتدخلين في مسار العلاج، من شأنهما ان يعززا التنسيق الطبي ويحدا من الاخطاء، وهو ما يصب في مصلحة المتقاعد الذي يحتاج الى متابعة دقيقة ومستقرة لحالته الصحية. كما ان الاطار القانوني الجديد، الذي ينقل ادارة التأمين الصحي الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ويوسع نطاق التغطية، ينبغي ان يفعل بروح العدالة الاجتماعية، بما يضمن تكافؤ الفرص في الولوج الى العلاج دون تمييز او عراقيل.

غير ان الهيئة تؤكد ان اي اصلاح، مهما كانت وجاهته التقنية، يظل ناقصا ان لم يدعم باجراءات عملية تضمن سهولة الولوج، خصوصا في المناطق القروية او في صفوف المتقاعدين محدودي الدخل. فالرقمنة يجب ان تكون وسيلة لتقريب الخدمة لا سببا لخلق فجوة جديدة بين من يملكون ادوات التكنولوجيا ومن يفتقرون اليها. كما ان تحميل بعض المهنيين اعباء استثمار اضافية دون تحفيز او مواكبة قد ينعكس سلبا على جودة الخدمة المقدمة للمؤمن لهم.

إن هيئة المتقاعدين المغاربة، وهي تثمن هذا التوجه الاصلاحي، تدعو الى اعتماد مقاربة تشاركية تشرك ممثلي المتقاعدين في تتبع تنزيل هذا المشروع، ضمانا لملاءمته مع حاجياتهم الواقعية. فالاصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بحداثة ادواته، بل بقدرته على حماية الكرامة، وتيسير العلاج، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته.

إن ورقة العلاج الالكترونية قد تكون بداية مرحلة جديدة في مسار تحديث المنظومة الصحية، لكن رهانها الاسمى يظل في ان تجعل المتقاعد يشعر بان حقوقه مصونة، وان مسار علاجه اكثر وضوحا وسلاسة، وان الدولة ماضية فعلا في بناء نظام صحي يضع الانسان في صلب اولوياته.

التعليقات مغلقة.