الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
لم يعد ممكنا تبرير تواتر الفضائح القضائية داخل حزب الأصالة والمعاصرة بالصدفة أو الاستهداف، حين يتعلق الأمر بمنتخبين ومسؤولين ثبتت في حقهم متابعات وأحكام في جرائم خطيرة تمس المال العام ونزاهة الوظيفة العمومية، فبمدينة مراكش تم اعتقال مستشارة جماعية عن الحزب، تشغل صفة رئيسة لجنة التعمير بمجلس مقاطعة المدينة، بعد متابعتها بتهم النصب والارتشاء، إثر شكاية تقدم بها مستثمر أجنبي، حيث جرى ضبطها متلبسة بتلقي مبلغ مالي داخل مقهى رفقة وسيط ذي سوابق قضائية، في واقعة تعكس كيف جرى تحويل المسؤولية التمثيلية إلى أداة للابتزاز واستغلال النفوذ.

وفي ملف كازينو السعدي، الذي يُعد من أطول وأخطر ملفات الفساد المالي بالمغرب، صدرت أحكام نهائية بعد مسار قضائي دام أزيد من ثمانية عشر عاما، انتهت بإدانة عدد من المسؤولين المحليين، من بينهم نواب عمدة، ورؤساء مقاطعات، ومستشارون جماعيون، بعقوبات سالبة للحرية بسبب تبديد واختلاس أموال عمومية، والرشوة، والتزوير، واستغلال النفوذ، حيث تم إيداع المدانين السجن المحلي الأوداية بعد رفض محكمة النقض لطلبات الطعن، لتُغلق بذلك كل محاولات التشكيك في الأحكام.

وشملت الإدانة أسماء شغلت مواقع القرار المحلي، من بينهم عبد العزيز مروان، ومحمد نكيل، بصفتهم نوابا سابقين لعمدة المدينة أو رؤساء مقاطعات، إضافة إلى مستشارين جماعيين سابقين، وهي وقائع ثابتة بأحكام حائزة لقوة الشيء المقضي به، تؤكد أن تدبير الشأن العام تم بمنطق الغنيمة لا بمنطق حماية المال العمومي، كما أدين السعيد آيت المحجوب، النائب الأول السابق لرئيس مقاطعة جليز، بثلاث سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية بعد متابعته بجنايات الارتشاء واستغلال النفوذ والتدخل بغير صفة في وظيفة عامة، لتثبت المحكمة أن اختلالات الحزب لم تكن حالات فردية بل نمطا متكررا.

ويكتمل هذا المشهد القاتم بملف “إسكوبار الصحراء”، الذي تفجّر على المستوى الوطني، ويتابع فيه عدد من الأسماء البارزة، من بينها عبد النبي بعيوي، رئيس جهة الشرق، وسعيد الناصري، القيادي النافذ في حزب الأصالة والمعاصرة ورئيس الوداد البيضاوي ورئيس مجلس عمالة الدار البيضاء، في قضية ترتبط بشبهة الاتجار الدولي في المخدرات، والنصب، والاحتيال، واستغلال النفوذ، وفق ما أوردته معطيات رسمية وتحقيقات صحفية موثقة، حيث كشف التحقيق أن سعيد الناصري استغل اسم وزير العدل عبد اللطيف وهبي للإيهام بالتدخل لفائدة بارون المخدرات المالي الموقوف بسجن الجديدة، بهدف ترحيله نحو بلاده لاستكمال العقوبة، كما تورط رفقة عبد النبي بعيوي في عمليات أخرى يُشتبه في كونها نصبا واحتيالا على ممتلكات بارون المخدرات المالي، وهو ما يرفع القضية إلى مستوى اختراق خطير للحقل السياسي من طرف شبكات إجرامية عابرة للحدود.

المفارقة الصارخة أن كل هذه الوقائع تأتي في الوقت الذي صرحت فيه فاطمة الزهراء المنصوري، خلال المؤتمر الأخير للحزب، بأن حزبها لا يكذب ولا يخون ولا ينافق، وأنه جاء لخدمة الوطن والدفاع عن مصلحة المواطنين، وهي تصريحات تصطدم بشكل مباشر مع سجل ثقيل من المتابعات والإدانات، وتجعل الخطاب الأخلاقي المعلن فاقدا لأي مصداقية أمام الرأي العام.

وفي ضوء هذا الواقع، يصبح السؤال الملح هو: كيف سمحت آليات الحزب، والاختيار التنظيمي للقيادات، بتراكم هذا العدد من المسؤولين المتابعين والمدانين داخل صفوفه؟ وكيف يمكن للمال المشبوه، والعلاقات الشخصية، أن يُستغل لتوظيف السياسة لخدمة مصالح ضيقة؟

كما يطرح الأمر على الجهات الرسمية مسؤولية مباشرة، ويجب على وزارة الداخلية، بصفتها المشرفة على العملية الانتخابية، التدخل لوضع حد لتسيب النفوذ، ومساءلة القيادات الحزبية عن استخدام المال السياسي المريب، فيما يجب على وزارة العدل التحرك بصرامة لمتابعة ملفات النصب والاحتيال واستغلال النفوذ، خصوصا في ملفات مثل “إسكوبار الصحراء”، لضمان ربط المسؤولية بالمحاسبة وإعادة الثقة للمواطن في العدالة والدولة.

إن تجميع هذه الجرائم، بأسماء مقترفيها وصفاتهم ومساطرها القضائية، يكشف أن المشكل لم يعد حالات فردية، بل نمطا متكررا داخل تنظيم سياسي فشل في تنقية صفوفه، وأخفق في ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستعمل العمل الحزبي كواجهة انتخابية لا كأداة لخدمة الصالح العام، وبالتالي، فإن الدعوة إلى حل حزب الأصالة والمعاصرة لم تعد موقفا سياسيا متشددا، بل ضرورة أخلاقية ومؤسساتية لحماية ما تبقى من الثقة في العمل السياسي، وقطع الطريق أمام تحويل الأحزاب إلى ملاجئ للفساد، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تُبنى بتنظيمات يثقلها هذا الكم من الجرائم، ولا بخطاب أخلاقي تكذبه الوقائع والأحكام.


التعليقات مغلقة.