الانتفاضة// نور الهدى العيساوي
امتدت تداعيات العاصفة الأطلسية العنيفة “ليوناردو” خلال الأيام الأخيرة من جنوب البرتغال وإسبانيا إلى شمال المغرب، لتكشف مجددًا هشاشة المجال المتوسطي أمام اضطرابات جوية متسارعة تحولت من مجرد منخفض موسمي إلى حدث استثنائي فرض حالة طوارئ في عدة بلدان. ففي حين غرقت أحياء كاملة في الأندلس ومنطقة الغارف البرتغالية تحت مياه الفيضانات، وعلّقت حركة القطارات وأُغلقت المدارس والمطارات، دخل المغرب بدوره في دائرة التأثر غير المباشر بالمنظومة الجوية نفسها، وسط تحذيرات رسمية من أمطار قوية وارتفاع منسوب الأودية.
في إسبانيا والبرتغال، سجّلت السلطات خسائر بشرية وأضرارًا واسعة في البنية التحتية، حيث أكدت وكالة “رويترز” وفاة شخص في جنوب البرتغال وفقدان فتاة في إسبانيا بعد أن جرفتهما السيول، بينما اضطرت السلطات إلى إجلاء آلاف السكان من المناطق المنخفضة وتعليق خدمات النقل في عدة أقاليم، خصوصًا في الأندلس، نتيجة تشبع التربة بالأمطار المتراكمة منذ أسابيع. هذه المعطيات دفعت الحكومتين إلى رفع مستوى الإنذار إلى الحد الأقصى في عدد من المناطق.
في المغرب، ورغم غياب تقارير رسمية تؤكد وقوع خسائر بشرية جراء العاصفة نفسها إلى حدود الآن، فإن السلطات تعاملت مع الوضع باعتباره خطرًا محتملاً عالي المستوى. فقد أعلنت وزارة الداخلية عن عمليات إجلاء واسعة في مناطق شمال غرب المملكة، شملت أكثر من 140 ألف شخص، كإجراء احترازي تحسبًا لفيضانات محتملة بفعل الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب الأنهار، خاصة في الأقاليم المحاذية للأودية الكبرى. هذه الإجراءات الاستباقية عكست قراءة رسمية مفادها أن تأثير “ليوناردو” لا يتوقف عند حدود أوروبا، بل يمتد جنوبًا ضمن نظام جوي واحد واسع النطاق.
المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب حذرت بدورها من تساقطات مطرية قوية مصحوبة برياح وتساقطات ثلجية في المرتفعات، خاصة في مناطق طنجة-تطوان-الحسيمة، مشيرة إلى أن البلاد تتأثر بامتداد المنخفض الجوي نفسه الذي يضرب شبه الجزيرة الإيبيرية. وتؤكد هذه المعطيات أن ما تشهده المنطقة ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل حلقة ضمن سلسلة اضطرابات جوية متلاحقة ذات طابع إقليمي.
ويرى خبراء الأرصاد، بحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية، أن تكرار مثل هذه العواصف القوية في فترة زمنية قصيرة يعقّد من إدارة المخاطر، لأن التربة المشبعة بالمياه تفقد قدرتها على الامتصاص، ما يجعل أي هطول إضافي سببًا مباشرًا للفيضانات. غير أن الربط المباشر بين عاصفة “ليوناردو” وتغير المناخ لا يزال، علميًا، محل حذر، إذ يتطلب الأمر دراسات إسناد مناخي دقيقة. وعليه، لا يمكن الجزم بعلاقة سببية مباشرة في الوقت الراهن.
في المحصلة، تكشف عاصفة “ليوناردو” عن واقع مناخي جديد يتسم بتصاعد حدة الظواهر الجوية وتداخل تأثيراتها عبر الحدود، من أوروبا الغربية إلى شمال إفريقيا. وبينما دفعت الفيضانات في إسبانيا والبرتغال ثمنًا بشريًا وماديًا باهظًا، اختار المغرب مقاربة وقائية لتقليص الخسائر المحتملة. ويضع هذا الحدث الإقليمي المتزامن مسألة الاستعداد والتخطيط لمخاطر الطقس المتطرف في صلب النقاش العمومي، باعتبارها لم تعد استثناءً، بل احتمالًا متكررًا في السنوات القادمة.
التعليقات مغلقة.