الانتفاضة @@@ عبد المجيد العزيزي
لم تعد التغيرات المناخية مجرد تحذيرات علمية أو سيناريوهات مستقبلية، بل أضحت واقعًا ملموسًا يفرض نفسه من خلال فيضانات متكررة، واضطراب في أنماط التساقطات، وارتفاع منسوب المخاطر الطبيعية. وفي المغرب، أعادت موجات الفيضانات التي شهدتها عدة أقاليم خلال السنوات الأخيرة طرح سؤال محوري حول دور وسائل الإعلام في مواكبة هذه التحولات، وحدود تدخلها بين الإخبار، والتحليل، والتحسيس.
ومع كل حادث فيضي، تسارع المنابر الإعلامية إلى مواكبة التطورات، عبر نقل صور السيول الجارفة، وتحيين حصيلة الخسائر البشرية والمادية، ومتابعة تدخلات السلطات وفرق الإنقاذ. ورغم أهمية هذا الدور في إخبار الرأي العام، إلا أن التغطية الإعلامية تظل في كثير من الأحيان مرتبطة بزمن الأزمة، لتتراجع حدتها فور انحسار المياه، دون مواكبة ما بعد الكارثة.
تغطية آنية تُغيب السياق المناخي
يلاحظ متابعون أن جزءًا كبيرًا من التغطيات الإعلامية يركز على الحدث في لحظته، دون إدراجه ضمن سياقه المناخي العام. إذ غالبًا ما تُقدَّم الفيضانات على أنها نتيجة “تقلبات جوية مفاجئة”، في غياب ربط واضح بظاهرة التغيرات المناخية، وما تفرزه من اختلال في أنماط التساقطات وارتفاع وتيرة الظواهر المناخية القصوى.
ويؤدي هذا التعاطي إلى اختزال الفيضانات في بعدها الطبيعي، مع تغييب العوامل البنيوية المرتبطة بالتدخل البشري، من قبيل التوسع العمراني غير المنظم، والبناء في مجاري الأودية، وضعف البنيات التحتية الخاصة بتصريف مياه الأمطار.
بين الصورة الصادمة والتحليل الغائب
تعتمد بعض التغطيات الإعلامية على الصور القوية ومقاطع الفيديو المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، لما لها من تأثير عاطفي في شد انتباه المتلقي. غير أن هذا التركيز على البعد البصري لا يكون دائمًا مرفوقًا بتحليل علمي يشرح أسباب الظاهرة، أو يوضح علاقتها بالتغيرات المناخية العالمية، ما يجعل التفاعل الشعبي مع الكارثة قويًا لكنه ظرفي.
كما يظل حضور الخبراء والباحثين المتخصصين في قضايا المناخ والهيدرولوجيا محدودًا في عدد من التغطيات، مقابل هيمنة التصريحات الرسمية أو شهادات المتضررين، وهو ما يؤثر على عمق النقاش ودقة المعلومة المقدمة للرأي العام.
الإعلام الرقمي… سرعة الانتشار وتحدي المصداقية
أسهم الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في تسريع تداول أخبار الفيضانات، وكشف أوضاع مناطق نائية لم تكن تحظى بتغطية كافية في الإعلام التقليدي. غير أن هذه السرعة رافقتها، في بعض الحالات، صعوبات مرتبطة بتداول معطيات غير دقيقة أو مبالغ فيها، في ظل ضعف التحقق المهني.
نحو صحافة بيئية مسؤولة
أمام تصاعد المخاطر المناخية، يبرز دور الإعلام كفاعل أساسي في بناء وعي جماعي مستدام، لا يقتصر على نقل الكارثة، بل يمتد إلى تفسيرها وربطها بالسياسات العمومية وخيارات التخطيط المجالي. ويرى مهتمون بالشأن الإعلامي أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من تغطية ظرفية إلى صحافة بيئية تفسيرية واستباقية، تُواكب قضايا المناخ بانتظام، وتُسهم في ترسيخ ثقافة الوقاية بدل الاكتفاء برد الفعل
إن تعاطي وسائل الإعلام مع التغيرات المناخية والفيضانات بالمغرب يعكس تطورًا ملحوظًا في سرعة نقل الخبر، لكنه يكشف في المقابل عن حاجة ملحة لتعميق المعالجة الصحفية، وربط الحدث بسياقه المناخي والإنساني والمؤسساتي. فالإعلام اليوم مدعو إلى تجاوز دور الناقل، ليصبح شريكًا في التوعية والوقاية وصناعة نقاش عمومي مسؤول حول أحد أخطر تحديات العصر.
التعليقات مغلقة.