الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
لم يعد المشكل في المغرب هو ضعف المشاركة الانتخابية فقط، بل في الخطاب السياسي الذي يصرّ بعض قادة الأحزاب على تسويقه، خطاب يتعامل مع المغاربة كأنهم جمهور بلا ذاكرة ولا وعي، وكأن الديمقراطية مجرد ديكور يُستعمل عند الحاجة ويُداس عند أول نشوة ثقة زائفة.
ما صدر عن قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، وعلى رأسهم فاطمة الزهراء المنصوري، لم يعد مجرد حماس انتخابي سابق لأوانه، بل أصبح إعلاناً صريحاً عن احتقار قواعد اللعبة الديمقراطية، حين يُبشَّر بالمرتبة الأولى، وتُوزَّع المناصب، وتُعلن رئاسة الحكومة، قبل أن يُفتح باب الاقتراع أصلاً.

هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بكونه مصادرة لحق المغاربة في الاختيار، وضرباً رمزياً لمنهجية دستورية واضحة، تجعل من نتائج الصناديق أساس تشكيل الحكومة، لا خطابات المجالس الوطنية ولا تصريحات التحدي الفارغ.
فاطمة الزهراء المنصوري تتحدث كثيراً عن القيم، عن الصدق، عن حزب “لا يغدر ولا ينافق ولا يكذب”، لكن السياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بالشعارات، بل بما يتحقق على الأرض، وهنا بالضبط يسقط الخطاب، وتنكشف الحقيقة.
مراكش: شهادة فشل لا تقبل الطعن.
من يريد أن يرى حصيلة المنصوري، لا يحتاج إلى تقارير معارضة ولا إلى خصومات سياسية، بل يكفيه أن يتجول في مراكش، المدينة التي تولت عمادتها، والقطاع الوزاري المرتبط بالتعمير فيها، دون أن تترك أثراً يليق بحجم المسؤولية.

شوارع محفرة، أحياء خارج التغطية، قنطرة حربيل مغلقة دون حل، قنطرة طريق الدار البيضاء مغلقة مند سنين دون تدخل، أشغال تعرف الارتجالية، مشاريع متوقفة، برنامج عمل لم ينزل على ارض الواقع، منازل آيلة للسقوط لم يتم التدخل لحل مشكلها، تداعيات الزلزال لازالت في طور النقاش، مشروع بساتين الواحة بدون رقابة، مشروع الغالي بين الوعود و الأوهام، مواطنون مشردون بعد النصب عليهم في مشاريع سكنية تحت انظار عمدة مراكش و وزيرة التعمير، مرافق تاريخية أُغلقت وهُدمت، صناعة تقليدية تُركت لمصيرها، ومواطنون تضررت مساكنهم دون إنصاف أو معالجة حقيقية.
هذا ليس رأياً، بل واقع ملموس.
فكيف لمسؤولة لم تستطع ضبط إيقاع مدينة واحدة، أن تقنع المغاربة بأنها قادرة على تدبير حكومة بكاملها؟
وكيف لمن جمعت بين السلطة والوزارة، ولم تُحدِث الفرق، أن تتحدث عن “الكفاءة” بثقة تصل حد الاستعلاء؟

زلزال الحوز: حين تُفضَح الوعود.
جاء زلزال الحوز ليضع الخطاب السياسي أمام امتحان أخلاقي وإنساني حقيقي.
كثرت التصريحات، وتعددت الوعود، لكن الواقع اليوم يقول إن المعاناة ما زالت مستمرة، وإن إعادة الإعمار تسير ببطء لا يليق بحجم الفاجعة ولا بحجم المسؤوليات، و لا يتناسب مع وعود المنصوري.
والمفارقة القاسية أن وزارة التعمير كانت في قلب الحكومة، وفي قلب القرار، ومع ذلك بقي الإنجاز دون مستوى الكارثة.
وهنا لا مجال للحديث عن النوع أو الجندر، بل عن العجز والفشل.
حزب في الحكومة… بخطاب الهروب.
الأكثر إثارة للسخرية السياسية، أن يخرج حزب الأصالة والمعاصرة، وهو أحد أعمدة الأغلبية الحكومية، ليطالب “الحكومة” بالتدخل وتعويض المتضررين من الفيضانات، وكأنه حزب معارض، لا شريك في القرار، ولا مسؤول عن السياسات العمومية.
هذا السلوك ليس فقط تناقضاً، بل نصب سياسي على وعي المواطنين.
إما أن الحزب في الحكومة ويتحمل المسؤولية كاملة، أو خارجها وينتقد، أما الجمع بين الامتيازات والتنصل، فهو استخفاف بالمواطن المغربي لا أكثر.
المرأة ليست شماعة للفشل
حين يُنتقد أداء المنصوري، يُسارع الحزب إلى الاحتماء بخطاب “التمييز ضد المرأة”، في خلط متعمد ومغرض.
المغاربة لا يعادون المرأة، ولا يشككون في كفاءتها، بل يجلّون النساء العاملات في القرى، في التعليم، في الصحة، وفي كل مواقع التضحية الصامتة.
لكنهم يرفضون تحويل قضية المرأة إلى درع سياسي لحماية الفشل، ويرفضون نساء السلطة حين يستعملن الخطاب الحقوقي لتبرير عجز تدبيري واضح.
بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية.

حين يتحدث الحزب عن القيم، بينما يعلن النتائج قبل الصناديق، ويتحدث عن الصدق، بينما يسوّق إنجازات غير موجودة، ويتحدث عن تخليق السياسة، بينما يمارس حملة انتخابية سابقة لأوانها، و حين يتحدث عن الاخلاق و هو يستعمل اموال المخدرات في تمويل الحملات الانتخابية، يتحدث عن النزاهة في حين انه يقوم بحماية المفسدين و المتابعين في جرائم المال العام، فإننا أمام انفصام سياسي خطير.
السياسة ليست شعارات، ولا ثقة مفرطة، ولا تحدي المواطنين بعبارات من قبيل “اشربوا ماء البحر”.
السياسة مسؤولية، ومحاسبة، واعتراف بالفشل قبل طلب ولاية جديدة.
اليوم نكتشف الخلاصة المؤلمة
المغاربة لم يعودوا سذّجاً، ولا بلا ذاكرة.
يريدون طرقاً غير محفّرة، مدناً محترمة، سكنا لائقا، مشاريع حقيقية، تدبيراً استباقياً للكوارث، ومسؤولين يعتذرون حين يفشلون بدل أن يعلنوا الانتصار الوهمي.
أما إعلان الفوز قبل أوانه، وتنصيب رئيسة حكومة قبل الانتخابات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق العزوف، وترسيخ القناعة بأن السياسة تُدار بعيداً عن صناديق الاقتراع، و ان الشعب لا يتحكم في نتائج الانتخابات، و ان بنت الباشا تملك العصا السحرية و النتيجة محسومة.
وعندها يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً.
إذا كانت النتائج محسومة، فلماذا يُطلب من المغاربة أن يصوّتو؟

التعليقات مغلقة.