عن الرجولة الضائعة أحكي…

الانتفاضة // محمد المتوكل

عندا تسقط لا قدر الله في أزمة ما لا تفكر أن تبحث لك عن أرقام هواتف مئات المسجلين في هاتفك الخلوي.

أو تتصل برب العمل.

أو أحد الأصدقاء ولو كان مقربا.

أو من شاركت معهم الملح والطعام.

بل توضأ وأسبغ الوضوء واركع ركعتين وابك على الله الواحد القهار.

فهو الواجد الأحد الفرد الصمد القادر على أن يجعل لك من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا.

أما الأصدقاء والمعارف ورب العمل والزملاء وغيرهم فحاول نسيانهم و امسح أرقامهم من هاتفك الخلوي فلم يعودو صالحين لشيء.

إلا للتشفي والمواساة الكاذبة والوعود الرنانة والكلام المعسول والذي “ما يخسر خاطر ما يقضي حاجة”.

هم أناس هذا الزمان الذي كثر فيه النفاق الاجتماعي والديماغوجية البلهاء والانانية المقرفة والشخصنة المفرطة وحب الذات والتقوقع على النفس تقوقعا يفوق تقوقع الحلزون على نفسه.

أناس في صفة بشر يمشون في الأسواق ويأكلون الطعام ولكنهم لا قلوب لهم ولا عاطفة ولا رحمة ولا وشفقة إلا من رحمة وشفقة رب العالمين الذي لا يخيب عنده سائل ولا يرد طالب ولا يضيع أجر من أحسن عملا.

حاول وجرب أن تطلب أحدهم بإقراضك مثلا شيئا من المال أو  أن يقضي لك مصلحة أو أن يكف عنك أذى، سيجد المعني بالأمر ألف عذر وعذر للاعتذار وألف ذريعة لعدم تلبية المطلوب ليس لأنه لا يقدر ولكن “ماعندو ما يدير بصداع ااراس حسب فهمه وتعبيره.

والمؤسف جدا أنهم مسلمون ويدعون الإسلام ويمارسون الشعائر ويصلون ويصومون ويزكون أحيانا بل منهم حجاج المقام الشريف لكنهم صور لأناس تذهب وتجيئ تغدو وتروح بدون أن يكون لها أي بصمة أو أثر في قضاء حوائج الناس ومواساتهم والوقوف معهم في ساعة العسرة.

فمساعدة الآخرين من أعظم أبواب الخير ولها مكانة عالية جداً في الإسلام الذي جاءت عقائده وشرائعه لإصلاح العلاقة بين العبد وربه، وبين العباد أنفسهم، ولهذا حث الإسلام على إيصال النفع للآخرين بقدر المستطاع ـ حتى ولو كانت هذه المساعدة لحيوان فلها أجر عظيم ـ كما سيأتي، ولأن هذه المساعدة نوع من العبادة التي يرجو بها المسلم الثواب من ربه، فإن من شروط قبولها وحصول المسلم على الأجر أن تكون هذه المساعدة خالصة لله تعالى يرجو بها المسلم رضا ربه، وأن يرزقه الثواب المترتب على هذه المساعدة، ويمكن أن ينوي المسلم بهذه المساعدة أكثر من نية مما لا تتعارض مع الإخلاص المطلوب، فيمكن أن ينوي إدخال السرور على المسلم وهذه نية مطلوبة وممدوحة ويثاب المسلم عليها – كما سيأتي في الأدلة – ويمكن أن ينوي شكر الله على نعمه عليه وأنه أغناه عن غيره فهو يخرج صدقة هذه النعمة ببذل المعونة لغيره من المحتاجين والنوايا في هذا كثيرة، أما بذل المساعدة من أجل المصالح الشخصية، فإن كنت تعني بالمصالح الشخصية أن يريد الإنسان الثناء من الناس ونحو ذلك، فإن ذلك يتنافى مع الإخلاص، وبالتالي، فثواب المسلم منها هو ما يتحقق له من مصلحة في الدنيا، أما في الآخرة فلا أجر له فيها، لأنه قد حصل في الدنيا على ما عمل لأجله.

وأما إن كان المقصود بالمصالح الشخصية الأمور المشروعة التي لا تتنافى مع الإخلاص كأن يقصد من جماع زوجته أن يعفها ويعف نفسه عن الحرام مع قضاء شهوته، فإن ذلك لا ضرر فيه ولا يتنافى مع تحصيل الأجر ففي الحديث الشريف: قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ … الحديث. رواه مسلم.

وأما عن فضائل هذه المساعدة فمنها: أن مساعدة الآخرين نوع من الإحسان، وقد قال تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ {البقرة:195}.

وقال سبحانه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ {الأعراف:56).

وقال سبحانه: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ {يوسف:56}.

ومن هذه الفضائل: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: أن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.

ومن هذه الفضائل: ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وقد سبق تفصيله، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، إن كان هذا شرطاً في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به، لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم. انتهى من شرح صحيح مسلم.

ومن هذه الفضائل: ما ثبت عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد من العمر.

ومن هذه الفضائل: هذا الحديث العظيم الذي يرغب في قضاء الحاجة ومساعدة الآخرين وينشط المسلم لفعل الخير، فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة – شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ـ ولو شاء أن يمضيه أمضاه ـ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة ـ حتى يثبتها له ـ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام.

ومن هذه الفضائل: ما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من منح منيحة لبن أو ورق أو هدى زقاقاً كان له مثل عتق رقبة.

ومن هذه الفضائل: ما ثبت عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي له ديناً، أو تطعمه خبزاً. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب: قضاء الحوائج، والبيهقي وغيرهما، وحسنه الألباني.

قال المناوي في فيض القدير: أفضل الأعمال: أي من أفضلها أي بعد الفرائض كما ذكره في الحديث المار، والمراد الأعمال التي يفعلها المؤمن مع إخوانه أن تدخل أي إدخالك على أخيك المؤمن أي أخيك في الإيمان وإن لم يكن من النسب، سروراً أي سبباً لإنشراح صدره من جهة الدين والدنيا، أو تقضي تؤدي عنه ديناً لزمه أداؤه لما فيه من تفريج الكرب وإزالة الذل، أو تطعمه ولو خبزاً فما فوقه من نحو اللحم أفضل، وإنما خص الخبز لعموم تيسر وجوده حتى لا يبقى للمرء عذر في ترك الإفضال على الإخوان، والأفضل إطعامه ما يشتهيه. 

ومن هذه الفضائل: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الناس أنفعهم للناس.

فما أعظم هذا الدين الذي جعل مساعدة الناس بهذه المنزلة العظيمة، بل وحتى مساعدة الحيوانات، ولنقرأ هذا الحديث العظيم لنعلم فضل دين الإسلام وأن فيه صلاح الدنيا والآخرة وأن البشرية لم يصبها الشقاء إلا بعد أن تركت الأخذ بهذا الدين العظيم، ففي صحيحي البخاري ومسلم: عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها.

والبغي: هي المرأة الزانية.

ومع هذا، غفر الله لها بهذه المساعدة لهذا الحيوان، فكيف بمساعدة الصالحين لإخوانهم وأخواتهم؟ لا شك أن ثوابه أعظم.

وأما: هل مساعدة الآخرين أفضل أم ذكر الله؟ فنقول: لكل منهما فضائل كثيرة، والمفاضلة بينهما صعبة، ولو أمكن الجمع بين الأمرين فهو خير، وإذا كان هناك محتاج ولا يوجد من يساعده غير السائل، ففي هذه الحالة المساعدة أفضل وقد تكون واجبة، وإذا كان المسلم من المسؤولين عن مساعدة الغير في وظيفة فالقيام بعمله في هذه الحالة أيضا أفضل من نوافل الذكر وأوجب، والقاعدة في الترجيح بين ما كان نفعه متعديا وما كان نفعه قاصراً ما ذكره فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ حيث قال: قضاء حوائج المسلمين أهم من الاعتكاف، لأن نفعها متعدٍ، والنفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، إلا إذا كان النفع القاصر من مهمات الإسلام وواجباته. 

لكن تأتي حتى لكحل الراس والذي يصلي معك الصلوات الخمس ويصوم معك رمضان لكن لما يتعلق الأمر بمساعدة الآخرين والتنفيس عن كربهم والأخذ بيدهم ومواساتهم فهنا تبدأ المندبة والنواح والأعذار الواهي:

“والله ماعندي”

“جيتيني فواحد الوقت ماهواش”.

“خرجو لي الفلوس من يدي”.

“والله ما خبيتهوم عليك”.

“طلب أي حاجة إلا الفلوس”.

وهكذا دواليك.

علما أن الأمر أحيانا لا يتطلب مساعدة مالية أو دعم  مادي بقدر ما يتطلب الأمر مواساة قلبية واهتماما سلوكيا واحتضانا عاطفيا قد يكون ثمنه أغلى وأعلى وأجلى من الدعم المالي نفسه.

لكن للأسف الشديد وخاصة في زماننا هذا يبدو أن كل هذه القيم مصيرها إلى الإندثار بفعل اندثار الأخلاق و اندحار القوالب الاجتماعية الحاثة على التضامن والتعاون والتآزر والتعاضد، وبروز آفة الأنانية المقرفة والشخصة العفنة وما يترتب عنها من سلوكيات لا تعرف إلا أنا ومن بعدي الطوفان نسال الله السلامة والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

ملاحظة

يستثنى من هؤلاء الأب الرحيم والأم الرؤوف والعائلة المحترمة والتي قد تفديك بالروح، أما ما سواهم من أوباش هذا الزمان وصعاليكه ومنافقيه وضاليه ومدعيه ومؤدلجيه ونماميه ومغتابيه وآكلي أموال الناس فيه فأقم عليهم صلاة الجنازة وصل عليهم أربع تكبيرات بدون ركوع.

التعليقات مغلقة.