الانتفاضة ×× مجمد الشندودي
أكتب من موقع من مر عبر الزمن لا على عجل، ومن زاوية من أنهى سباق التفاصيل اليومية ولم يغادر المشهد. لم أعد معنيا بالانفعال السريع، ولا بالاصطفاف السهل، لأن المسافة التي تفصلني اليوم عن دوامة الالتزامات منحتني شيئا أثمن: وضوح الرؤية. أتابع كل شيء، أفهم السياقات، وأدرك أين تتعثر النيات وأين يتباطأ الفعل. ومع ذلك، أختار الصمت.
هذا الصمت ليس انسحابا ولا حيادا، بل ما أسميه لامبالاة تكتيكية. موقف واع، لا يرفع الصوت، لكنه لا يغمض العين. حين تتكرر الاجتماعات بلا أثر، وتطول مسافات الانتظار بين القرار والقرار، ويصبح التريث عادة لا استثناء، يتحول الصمت أحيانا إلى أبلغ من الكلام.
من يظن أن الابتعاد عن الواجهة يعني الخروج من الزمن يخطئ التقدير. فالرؤية من الخلف، أحيانا، أصدق من الحماسة في الصفوف الأمامية. حين تخف الضغوط المباشرة، تتضح الصورة أكثر، ويصبح الحكم على الوتيرة، وعلى جدية الفعل، أدق وأقسى في آن واحد. لذلك أفهم أكثر، وأزن الأمور بهدوء، وأدرك أن البطء حين يتجاوز الحكمة يتحول إلى عبء، وأن حسن النية لا يعفي من مسؤولية الفعل.
لامبالاتي التكتيكية ليست قبولا بالأمر الواقع، ولا رضا عن وتيرة لا تواكب حجم التحديات. هي صمت من يلاحظ، ويقارن، ويستغرب أحيانا، ثم يؤجل الكلام لا لأنه غير ضروري، بل لأنه يجب أن يقال في لحظة يكون فيها للكلمة أثر، لا مجرد صدى داخل دائرة مغلقة. فالحركية البطيئة، مهما كانت مبرراتها، تستهلك الثقة قبل أن تستهلك الزمن.
لقد علمتني التجربة أن بعض المعارك لا تربح بالاندفاع، لكن لا تخاض أيضا بالتردد الدائم. الحكمة ليست في تأجيل كل شيء، ولا في استعجال كل شيء، بل في معرفة متى يصبح الانتظار مكلفا.
أكتب هذا لا لأبرر الصمت، بل لأضعه في سياقه. فالصمت قد يكون موقفا نبيلا حين يكون مؤقتا، لكنه يصبح عبئا حين يتحول إلى عادة، خاصة عندما يكون الفعل ممكنا، والتأجيل أقل كلفة من الجرأة.
التعليقات مغلقة.