الانتفاضة
منذ انطلاق تظاهرة كأس إفريقيا، اخترت أن أكون عكس التيار. و
ما سأقوله هنا، كنت سأقوله بالحرف نفسه لو فاز المنتخب المغربي بالكأس، وسأقوله دائما دون تردّد: المباراة الحقيقية التي يجب أن نربحها ليست في الملاعب، بل في التعليم، والصحة، والإعلام، وحقوق الإنسان، وكل ما يرتبط بالمعيش اليومي وكرامة المواطن.. ما دون ذلك، في نظري، مجرد أفراح عابرة، ومسكنات جماعية تُنسينا الأساسيات..
كرّرت هذا الكلام مرارا، فاتهمني البعض بنشر السوداوية والبؤس، وذهب آخرون إلى حد اتهامي بترويج خطاب “أعداء الوطن”. لكنني في كل مرة، أعود إلى مبدئي الأول وإلى القواعد التي تعلمتها في المهنة: أنا صحافي يتكلم بلسان الواقع، لا بلسان السلطة ولا بمنطق التعبئة العاطفية.. لستُ هنا لأشحذ الحماس، ولا لأبيع الوهم، بل لأقول ما أراه حقًا، كما هو، دون تزييف..
أقول الحق وأعبّر عن فكرتي بكل أمانة ونزاهة.. لا يهمّني أن يصدقني الناس في اللحظة نفسها؛ فالتجربة علّمتني أن الزمن كفيل بفضح الأكاذيب وكشف صدق المواقف.. من لم يقتنع اليوم، قد يفهم غدا.. فما يعنيني في النهاية هو أن أنام مرتاح الضمير، لا أن أكون محبوبا على حساب الحقيقة..
كانت هناك تدوينة جاهزة في ذهني، لو فاز المنتخب المغربي بكأس إفريقيا، كنت سأنشرها في الصباح، وأقول فيها ما معناه: أيها المواطن، كم ستدوم فرحتك بهذا “النصر المبين”؟ وماذا ستجني منه في حياتك اليومية؟ كنت أعلم مسبقا أنني سأتعرّض للسبّ والشتم والتخوين، لكنني كنت مستعدا لتحمّل ذلك، لأن السؤال مشروع، وإن كان مزعجا..
لستُ فرحا بالخسارة، فأنا لا أحب الهزيمة، ولا أراها إنجازا. وإن كنتُ فرحا ـ والله شاهد على ما أقول ـ فسأكون مريضا وحاقدا.. غير أن الغصّة التي أشعر بها ليست في خسارة الكأس ، بل لأن هذا الوطن لا يزال يخلط بين الأولويات، ويصرف المليارات على تظاهرات لا تعود بنفع حقيقي على المواطن، بينما قطاعات حيوية تنزف بصمت..فكل ما هنالك دعاية تُشحن بها الجماهير، لتنسى واقعها ولو مؤقتا..
لديّ مبدأ في الحياة أطبّقه أيضا في مهنتي: لستُ ضد الترفيه، لكنني مع احترام الأولويات.. فالترفيه حقّ، نعم، لكنه لا يمكن أن يتحوّل إلى بديل عن الحق في التعليم الجيد، والعلاج الكريم، والإعلام الحر، والعدالة الاجتماعية..
دائمًا أطرح السؤال البسيط والمزعج في آنٍ واحد: كم الثمن؟ ومن أين سنأتي بالمال؟ وماذا سنربح فعلا؟ ليس على مستوى الشعارات، بل على مستوى الأثر الحقيقي في حياة الناس..
قد أبدو عدميًّا أو متشائما في نظر البعض، لكنني في الحقيقة واقعي إلى حدّ الإيلام. أؤمن أن القرارات التي لا تُبنى على حساب عقلاني واضح، ولا تراعي سلم الأولويات، تُدفَع كلفتها لاحقا من جيوب المواطنين، ومن أعمارهم، ومن مستقبل أبنائهم. وهذا، بالضبط، هو جوهر الصحافة كما أفهمها: أن تُزعج، لا أن تُخدّر..
أنا لا أبحث عن التصفيق ولا عن الشعبية، بل عن شرف الكلمة؛ أن أقول الحقيقة كما هي، حتى وإن كانت مُرّة، لأن الأوطان لا تُبنى بالهتاف، بل بالصدق واحترام الأولويات..
التعليقات مغلقة.