الانتفاضة
إعلان عزيز أخنوش عن انتهاء ولايته على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار واعتزامه عدم الترشح مرة أخرى يبدو، للوهلة الأولى، تصريحا داخليا حزبيا يتماشى مع النظام الأساسي للحمامة وحصر فترة رئاسة الحزب في ولايتين. لكن قراءة أبعد تكشف أن ما وراء الكلمات هو سيناريو سياسي محسوب بعناية.
فإما أن يكون هذا الإعلان رسالة مضبوطة لحوارييه داخل الحزب: فرصة لهم لإظهار تمسكهم بالرئيس، فتظهر حنكة أخنوش وزهده في السلطة، كما فعل قادة سابقون في المغرب مثل بن كيران ولشكر وبن عبد الله، مستفيدين من الرمز أكثر من المنصب. وفي هذه الحالة، يصبح إعلان التنحي أداة سياسية لتجميل صورته العامة ورفع رصيده الرمزي لدى قواعد الحزب.
أما الاحتمال الأكثر واقعية، فهو أن أخنوش يتحرك وفق إشارات من المؤسسة العليا للنظام السياسي، التي لا يمكن تجاهلها في المشهد المغربي.
استمرار أخنوش على رأس الحكومة ربما يشكل كلفة سياسية عالية لا ترغب الدولة في تحملها، وبالتالي فإن التنحي عن رئاسة الحزب هو خطوة استباقية للحفاظ على مصالح الحزب واستمرارية قيادته للسلطة التنفيذية، وليس تعبيرا عن إرادته الشخصية وحدها.
هنا تكمن المفارقة: حزب الأحرار قد يظهر وكأنه يمارس التداول الداخلي والديمقراطية الحزبية، بينما الواقع يكشف أن اللعبة الحقيقية تجري خلف الكواليس.
أخنوش، بمهنيته وخبرته، يحسن إدارة هذه الصورة: فهو يظهر وكأنه يزهد في السلطة، لكنه في الوقت نفسه يضمن أن الحزب يبقى جزءاً من الحكومة المقبلة، حتى لو لم يكن هو على رأسه.
في نهاية المطاف، إعلان أخنوش ليس مجرد خبر حزبي داخلي، بل درس في السياسة المغربية: بين إرادة القيادة، وحسابات النظام، وبين الرمزية والصورة العامة، تظل اللعبة السياسية أكثر تعقيدا مما تبدو عليه التصريحات الرسمية.
سؤال فبراير المقبل: هل سنشهد تجديدا حقيقيا داخل الحزب، أم مجرد إعادة ترتيب للأوراق وفق ما تمليه الاستراتيجية العليا للسلطة؟
التعليقات مغلقة.