الفن لا يُفسَّر.. يُحسّ

الانتفاضة // سعيد حجي

كنت مولعا منذ صباي بالأغاني الأمازيغية الأطلسية، تحديدا تلك التي تشبه خطوات الجبل في توقيعها الموسيقي، تلك التي غناها من مرّوا من هنا وتركوا على صخر الذاكرة آثارا لا تزول. كنت أردد أسماءهم كما يردد الدراويش أسماء غير مفهومة في حلقاتهم : محمد رويشة، حمو اليازيد، لحسن آشيبان … كانت أصوات ثلة هؤلاء تشبه وشوشة الشجر حين تعبث به الرياح في نهاية الصيف، لا تفهم تماما ما يقال، لكنك تصغي وكأنك تُشفى…
كل مساء بعد العصر، كنت أفتح المذياع، أبحث عن تردد الإذاعة الأمازيغية كما يبحث الفلاح عن البذور بين تراب الأرض، تلك اللحظة كانت بالنسبة لي طقسا ضروريا . لم أكن أفهم آنذاك جيدا ما يقال، لم أكن أعي الكلمات، لكن عزف الوتر كان يوقظ في أعماقي شيئا يشبه حياة الدهشة. اللوتار كان آلة سحرية، لا تمر من أوتارها نغمة إلا وانبعث من داخلي ناي حزين، فرح، مشتعل بالحنين…
صنعت لنفسي آلة لوتار في التاسعة من عمري، من قنينة زيت سيارات معدنية، ربطتها بخشبة مسطحة، وشددت عليها أسلاك فرامل دراجتي الهوائية. كنت أجهل ما تعني الدوزنة، لكنني عزفت، أو على الأقل خلقت نغما متوترا، نشازا أحيانا، مشروخا، لكنه نغمي الخاص. لحظة انتشاء كاملة كنت أعيشها، لحظة تخيّلت فيها أنني محمد رويشة الصغير، أجلس على كرسي خشبي في قلب الدار وتتردد أصداء صوتي بين زواياها…
الذاكرة في تلك السن كانت مفتوحة على اتساع الجغرافيا، كنت أسمع نوتة واحدة فتمتد في رأسي كخرائط. نوتة تصبح غابة، أو بحرا، أو غيمة. كان صوت اللوتار يعيد ترتيب روحي، كأنني لم أُخلق من طين بل من نغمة ضائعة، وجدت طريقها إلي…
كل شيء في اغاني جبال الاطلس كان يصنع وعيا غير منطوق، فالمفردة البسيطة كانت محمّلة بخلفية ثقافية هائلة، بحزن جماعي، برموز نحتها الجبل في الحنجرة. كان الفن هناك لا يؤدى، انما يعاش، يُمضغ كما يمضغ الراعي خبزه اليابس في أعالي المراعي. اللحن هو الآخر كان يشتغل على مستوى اللاوعي، يطرق أبواب الذاكرة السحيقة، يُنقّب في الوجدان كما ينقّب الفلاسفة عن المعنى في المتاهة…
حين قرأت لاحقا تأملات إدغار موران عن “التعقيد” في الوعي الثقافي، أدركت أنني عشت تعقيدا مبكرا عبر بساطة عزف رويشة. وحين قرأت غاستون باشلار وهو يتحدث عن “جماليات المادة”، فهمت سرّ انجذابي لقنينة الزيت القديمة التي صارت جسد اللوتار. كان الطفل يصنع آلة ليخلق من اللاشيء صوتا، تماما كما يفعل الشعراء حين ينسجون من الصمت بيتا يهتز له القلب…
اللوتار كان تمثالي السحري ، يشبه أساطير الأطلس، يشبه السحر المنبعث من الكلمة حين تتردد بين الصخر والغيم. في داخله كانت تسكن أجيال من الحكمة، مرّوا من هناك، حكوا ما جرى، ثم واصلوا الطريق. بعضهم لم يسجل أغانيه، لكن الجبل تذكّر صوته…
الطفل الذي كنتُه لم يكن يعزف، كان يستدعي الأرواح من خلال النغمة، كان يبحث عن أناه المفقودة في ذاكرة الجبل، وكان يستعيد ذاته كلما اهتز وتر…
في النهاية، كما كتب بول فاليري في شذراته، الفن لا يُفسَّر، يُحسّ، تماما كما لم أكن أفهم الكلمات، لكنني كنت أعلم أنني وُجدت لأن هناك لحنا يُعزف في مكان ما من الجبل…

التعليقات مغلقة.