الانتفاضة // إلهام أوكادير
في الثامن عشر من دجنبر من كل سنة، يعود ملف الهجرة إلى واجهة النقاش العالمي، ليس بوصفه أزمة عابرة، بل باعتباره واقعا إنسانيا عميقا، يرتبط بحركية المجتمعات ومسارات التنمية والتحول. وبهذه المناسبة، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن التنقل البشري يظل أحد أبرز محركات التقدم المشترك، شريطة أن يُدار ضمن أنظمة عادلة وفعالة، تضمن كرامة المهاجرين وتحمي توازن المجتمعات المستقبِلة.
ويأتي تخليد اليوم الدولي للمهاجرين هذه السنة تحت شعار “قصتي الكبيرة: الثقافات والتنمية”، في دعوة صريحة للاعتراف بالأثر الإيجابي الذي يتركه المهاجرون عبر العالم، سواء من حيث الإسهام الإقتصادي أو الإغناء الثقافي والاجتماعي، حيث ترى المنظمة أن الهجرة، حين تُدار بشكل إنساني ومسؤول، تتحول مباشرة من تحدٍّ إلى فرصة حقيقية لتعزيز النمو وتقوية التماسك المجتمعي.
في هذا السياق، شددت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، “إيمي بوب”، على أن الهجرة تُشكل جزءا أصيلا من حياة ملايين الأسر والمجتمعات، معتبرة أنها تعكس قصص الصمود والقدرة على التكيف، كما تُبرز الروابط الإنسانية التي تتجاوز الحدود الجغرافية، داعية إلى ترسيخ تضامن دولي فعلي، من أجل بناء أنظمة هجرة منصفة وشاملة، مؤكدة أن تدبير الهجرة بكرامة ومسؤولية يعود بالنفع على الجميع.
وتشير المعطيات الصادرة عن المنظمة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ حوالي 304 ملايين شخص، أي ما يقارب أربعة في المائة من سكان العالم، وهو رقم يعكس دينامية متواصلة مدفوعة بعوامل متعددة، من بينها البحث عن فرص الشغل، والأمن، والتعليم، ولمّ شمل الأسر، لتبرز بذلك هذه الأرقام حجم التحول الذي يعرفه العالم، حيث لم تعد الهجرة إستثناء، بل خيارا حياتيا لملايين الأفراد.
ولا تقتصر مساهمة المهاجرين على الأرقام فحسب، بل تتجسد بشكل ملموس في القطاعات الحيوية التي تشكل عماد الاقتصادات الحديثة، من الصحة والبناء والفلاحة إلى التكنولوجيا والخدمات، كما يضطلعون بدور أساسي في دعم الدول التي تواجه تحديات شيخوخة السكان ونقص اليد العاملة، عبر مهاراتهم وخبراتهم وروح المبادرة التي يحملونها.
أما على المستوى المالي، فتظل تحويلات المهاجرين ركيزة أساسية لدعم الإقتصادات الهشة، حيث بلغت هذه التحويلات خلال سنة 2024 نحو 905 مليارات دولار، وُجّهت أساساً إلى بلدان ذات دخل منخفض أو متوسط، وساهمت في تغطية نفقات أساسية مثل الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، متجاوزة في كثير من الأحيان حجم المساعدات الدولية والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وبعيدا عن المؤشرات الاقتصادية، تُؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن المهاجرين يساهمون في إغناء النسيج الثقافي للمجتمعات المضيفة، وذلك من خلال تعزيز التبادل الثقافي، وتحفيز الابتكار، وبناء شبكات إقتصادية وتجارية تعود بالنفع على بلدان الأصل وبلدان الاستقبال في آن واحد.
غير أن هذا الواقع الإيجابي يظل محفوفا بتحديات متزايدة، حيث أنه وإلى حدود نهاية سنة 2024، سُجِّل نزوح أكثر من 83.4 مليون شخص داخل بلدانهم بسبب النزاعات والعنف والكوارث الطبيعية، ناهيك عمّا يساهم به غياب المسارات النظامية الكافية في دفع المهاجرين إلى سلوك طرق محفوفة بالمخاطر، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والانتهاكات، ويحول البحر الأبيض المتوسط إلى أحد أخطر مسارات الهجرة في العالم، حيث سُجلت أزيد من 33 ألف حالة وفاة منذ سنة 2014.
وأمام هذه المعطيات، تجدد المنظمة الدولية للهجرة دعوتها إلى تعزيز أنظمة الحماية والمواكبة في مختلف مراحل التنقل، بما يضمن سلامة المهاجرين وصون كرامتهم، إذ وفي هذا الإطار، أطلقت المنظمة نداءها العالمي لسنة 2026، الهادف إلى مساعدة 41 مليون شخص في وضعية تنقل، وتعزيز الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية.
وبمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين، دعت المنظمة العموم إلى التفاعل مع هذه القضية الإنسانية من خلال تقاسم قصص الهجرة الخاصة بهم، إلى جانب المديرة العامة “إيمي بوب”، باستعمال الوسم MyGreatStory، في خطوة تروم إغناء النقاش العالمي حول دور الهجرة في التنمية وبناء مستقبل أكثر إنصافا وتضامنا.
التعليقات مغلقة.