الانتفاضة
في قلب الصراع الأوكراني المتصاعد، تجري في أبو ظبي محادثات سلام سرّية بين الولايات المتحدة و روسيا، يقودها وزير الجيش الأميركي دان دريسكول، فيما تستمر سماء كييف في التلبد بصواريخ قاتلة. هذا التزامن بين الدبلوماسية و الميدان يخلق تناقضًا حادًا يُلقي بظلال قاتمة على فرص التوصل إلى إتفاق.
الولايات المتحدة، تبدو حريصة على الدفع بإتجاه إنهاء الصراع، لكن الرسالة التي ترسلها روسيا من خلال مواصلة الضربات على العاصمة الأوكرانية تكشف حجم الصعوبة في تحقيق سلام فعلي.
فبينما يجلس المسؤولون في قاعات التفاوض، يوقظ هدير الإنفجارات المدنيين في كييف من نومهم، و يجعل فكرة السلام شبه مستحيلة.
ما يجعل المحادثات أكثر إثارة للجدل هو مضمون الخطة الأميركية، المكونة من 28 بندًا، و التي تتضمن تنازلات جسيمة مثل قَبول موسكو لمطالب إقليمية، و تقييد عسكري لأوكرانيا، و حتى حظر إنضمامها إلى الناتو. هذه النقاط، بحسب مصادر متطابقة، لاقت رفضًا فوريًا من جانب كييف، التي تخشى أن تكون “خطة السلام” تمهيدًا لتسوية تخدم روسيا أكثر من أوكرانيا.
من جهة أخرى، ترد موسكو بتريث حذر. الكرملين لم يرحّب بتلك الخطة بصورة غير مشروطة، لكنه وصفها بأنها “نقطة إنطلاق ممكنة” للمفاوضات. و في موقف داعم، يقول بعض قادة الدول الأوروبية – مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – أنه لا ينبغي إجبار أوكرانيا على قبول أي شروط يمكن أن تُعدّ إستسلامًا، مؤكدًا أن الأمة التي تدفع الثمن الأكبر في هذا النزاع يجب أن تكون ضمن صناع القرار النهائي.
أما ما يحدث على الأرض في أوكرانيا فهو يُظهر بوضوح المخاطر المروّعة. كييف تعرضت لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة ليلية، ما أسفر عن سقوط قتلى وإصابات، وتضرّر بنية تحتية مدنية حيوية.
الجهات الأوكرانية تقول أن هذه الهجمات تشكّل محاولة للضغط عليها لتقبل التسوية أو التراجع عن بعض مطالبها، في حين ترى روسيا أن الدبلوماسية هي الوسيلة الأكثر نجاعة لتحقيق مصالحها، و أن المحادثات يجب أن تستمر مع الإستعداد لتقديم تنازلات.
لكن، حتى لو نجحت هذه المحادثات في الخروج بخطة ما، فإن السؤال يبقى : هل سيكون هذا السلام سلامًا حقيقيًا أم مجرد إستراحة مؤقتة ؟ كييف لا ترغب فقط في وقف النار، بل تسعى إلى ضمانات قوية تحمي سيادتها و تمنع تكرار مثل هذه الهجمات، بينما يفضل الروس أن تكون التسوية في إطار يمكّنهم من ترسيخ مكاسبهم.
في هذه اللحظة، يبدو أن الموازين ما زالت ترجّح كفة العنف على كفة السلام، و أن مفاوضات أبوظبي، مهما بدت واعدة من الناحية الدبلوماسية، قد تكون محاطة بأسئلة مصيرية حول من سيدفع الثمن الحقيقي لهذا “السلام تحت النار”.
التعليقات مغلقة.