الانتفاضة // ✍️ محمد الشندودي // رئيس المجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة
في أفق عقد الدورة الأولى للمجلس الوطني يوم 29 نونبر 2025 بمدينة القنيطرة تحت شعار: “من أجل نضال موحد وتنظيم قوي وكرامة مصونة لكل المتقاعدين”، تجد هيئة المتقاعدين المغاربة نفسها أمام لحظة فارقة في مسارها التنظيمي والنضالي.
فهذه المحطة ليست اجتماعا عاديا، ولا دورة تقنية تعرض فيها وثائق وترتب فيها جداول، بل هي خطوة مؤسسة نحو ترسيخ ثقافة ديموقراطية داخلية، وتحديث آليات الاشتغال، وتعزيز حضور المتقاعد كقوة اقتراح ومساءلة.
وتأتي أهمية هذه الدورة أيضا من كونها لحظة مراجعة ذاتية صريحة، نتوقف فيها عند ما راكمناه من تراكمات، وما اعترض مسارنا من أعطاب، وننتقل من منطق التدبير بردود الأفعال المتفرقة إلى بناء رؤية موحدة تؤطر الأداء وتوحد الجهود.
فالقوة التنظيمية ليست شعارا يرفع، بل مسارا يقتضي تدقيق الأدوار، وضبط المسؤوليات، وإعادة توزيع الجهد بما يجعل كل عضو شريكا فعليا في القرار وصناعة المستقبل.
وفي السياق نفسه، يشكل انتخاب اللجن الموضوعاتية خطوة أساسية نحو الانتقال من العمل الارتجالي إلى التخطيط القائم على التخصص والكفاءة.
فالقضايا الاجتماعية والصحية والقانونية التي تهم المتقاعدين لم تعد تقبل الخطابات العامة، بل تحتاج إلى فرق عمل تشتغل ببرامج وأهداف ووسائل واضحة، قادرة على متابعة الملفات والدفاع عنها أمام المؤسسات الرسمية.
كما أن المصادقة على مشروع النظام الداخلي تشكل لحظة تأسيسية لضبط إيقاع العمل داخل الهيئة، لأنه يضع حدا للالتباس في الاختصاصات، ويجعل المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة، ويضمن انسجام القرار بين المركز والجهات.
فالمؤسسة التي تتوفر على قواعد واضحة هي مؤسسة محصنة من الارتباك، وقادرة على اتخاذ قرارات شجاعة دون تردد أو تنازع في الأدوار.
وبالتوازي مع ذلك، يفرض واقع اليوم ضرورة تحيين الملف المطلبي بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتعقد الولوج إلى الخدمات الصحية، كلها عوامل تجعل من مراجعة المطالب أمرا ملحا.
ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح الهيئة قوة تفاوضية أكبر، وتضمن أن صوت المتقاعد يعبر فعلا عن حاجياته الراهنة.
وهكذا، لا نشهد في 29 نونبر مجرد انتقال من “رد الفعل” إلى “الفعل”، بل نعبر نحو مرحلة جديدة عنوانها: المبادرة بدل الانتظار، وصناعة القرار بدل الاكتفاء بالتعليق عليه.
إنها مرحلة يتحول فيها المتقاعد من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن الهامش إلى قلب النقاش العمومي، بما يحمله من خبرة وتجربة ومسؤولية وطنية.
إن هذه الدورة، بما تحمله من نقاشات واستحقاقات، تؤكد أن هيئة المتقاعدين المغاربة تسير في الاتجاه الصحيح نحو تثبيت الديموقراطية الداخلية، وتعزيز الشفافية، وبناء تنظيم قوي وموحد.
وحين ينتصر التنظيم تنتصر الكرامة، وحين تنتصر الكرامة ينهض صوت المتقاعد قويا، يطالب بحقوقه من موقع الاستحقاق لا من موقع الانتظار.
التعليقات مغلقة.