الانتفاضة // د الحسين بكار السباعي // محلل سياسي وخبير إستراتيجي
تكشف خريطة سنة 1868، بما تحمله من وضوح دلالي وعمق تاريخي، صورة دقيقة عن المجال الصحراوي قبل ستة عشر عاما من بداية الوجود الاستعماري الإسباني، وتبرز أن القبائل التي عمرت الساقية الحمراء ووادي الذهب، بل وحتى مناطق شاسعة من موريتانيا الحالية، كانت تخضع لسلطة السلاطين المغاربة، وتدين لهم بالولاء السياسي والبيعة الشرعية وتأتمر بأحكام القضاء المخزني. إن هذه الحقيقة التاريخية العابرة للحدود الجغرافية تفند كل الادعاءات التي تحاول تصوير الصحراء كفضاء لم يكن يخضع لأي كيان سياسي، وتؤكد أن وحدة المجال الترابي كانت متجذرة في صلب النسق السياسي المغربي، وأن الروابط بين القبائل والدولة لم تكن طارئة ولا ظرفية، بل ممتدة عبر قرون من التدبير المشترك والإلتزام المتبادل.
وإذا كانت هذه الخريطة تمثل وثيقة أرشيفية صامتة في ظاهرها، فإنها في باطنها تنطق بلغة السياسة والتاريخ معا، وترسم بمداد واضح حدودا رمزية لمجال ظل تحت السيادة المغربية، وتحيل على واقع أن الصحراء لم تكن في أي مرحلة من مراحلها فضاءا بلا سلطة، ولا رقعة خاضعة لسيادة متنازع عليها، ولا كيانا قائما بذاته. فهي تظهر أن القبائل الصحراوية، بتعددها وإمتدادها، شكلت جزءا لا يتجزأ من الدولة المغربية، وأسهمت في صنع إستقرارها، وأن المغرب مارس سيادته في المجال عبر شبكة من العلاقات الشرعية التي تقوم على البيعة وتعيين القياد، وجمع المكوس و الواجبات، والفصل في النزاعات وفق الشريعة وأعراف القبائل الممتدة عبر مجال الصحراء المغربية.
يأتي موضوع قراءتنا السياسية والاستشرافية لهذه الوثيقة التاريخية الهامة لما لها من قيمة راهنية في سياق النقاش العمومي الدائر اليوم بشأن تنزيل الحكم الذاتي، خصوصا بعد ما أثاره البعض من ادعاءات حول “إقصاء” مكونات قبلية او مجالات جغرافية معينة من هذا المسار التشاوي الوطني. فاستدعاء التاريخ هنا لا يأتي من باب الحنين إلى الماضي ، بل من باب تحصين المستقبل. فمن يتأمل الإمتداد القبلي كما توثقه خريطة 1868 يدرك أن الصحراء لم تقم في تاريخها على منطق الإنغلاق القبلي، ولا على إحتكار الشرعية من طرف مجموعة دون أخرى، بل على فسيفساء بشرية شكلت وحدة سياسية متماسكة تحت مظلة السيادة المغربية. وبالتالي فإن محاولة إحياء خطاب الإقصاء اليوم ليست سوى محاولة لخلق شروخ داخلية تخدم، من حيث لا يشعر أصحابها، الأطروحة الإنفصالية التي تسعى دائما إلى تصوير الصحراء ككيان مفكك أو متنازع حوله.
وتتجلى قيمة هذه الخريطة أكثر حين نربطها باللحظة السياسية الدقيقة التي يعيشها الملف، حيث تتوسع الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، ويتحول مشروع الحكم الذاتي من مقترح تفاوضي إلى تصور مؤسساتي رهن التفعيل والتنزيل ، الذي أزعج البعض بالداخل كما الخارج من الإنتقال من مرحلة الشرعية التاريخية والنضالية إلى شرعية التدبير المؤسساتي الذي يعيد ترتيب موازين التمثيلية على أسس جديدة تقوم على الإنصاف والشمولية والإنتماء الوطني المشترك. وهنا يصبح إستدعاء الوثيقة التاريخية واجبا سياسيا، لأنها تؤكد بما لا يدع مجالا للالتباس أن كل قبائل الصحراء المغربية، و على إختلاف أسمائها وإمتداداتها، كانت ولا زالت جزءا من البنية السيادية للدولة المغربية، وأن الرهان اليوم ليس في إعادة إنتاج الإصطفافات الضيقة، بل في صياغة نموذج للحكم الذاتي يستوعب الجميع دون إستثناء.
إن مستقبل النموذج المغربي بالحكم الذاتي تحت سيادة المملكة والذي أقره قرار مجلس الأمن عدد 2797 لن يستقيم إلا بإرادة سياسية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة، وتثبيت التعاون القبلي والمؤسساتي على قاعدة المساواة والإعتراف، وإعتماد مقاربة تحصن الوحدة الوطنية بدل تغذية النعرات أو ترسيخ الإمتيازات المصطنعة. فالحكم الذاتي ليس مشروع فئة دون أخرى، ولا صيغة لتقوية تمثيلية مجموعة على حساب أخرى، بل هو نموذج وطني يعكس عمق الإنتماء التاريخي للصحراء المغربية ويمهد لبناء مؤسسات جهوية حديثة تجمع ولا تفرق، وتفتح المجال لكل أبناء الإقليم للمشاركة في تدبير شؤونهم وفق قواعد الشفافية والعدالة.
ختاما ، هكذا تظهر خريطة 1868، في قراءتها السياسية الإستشرافية، بإعتبارها وثيقة تتجاوز قيمتها التاريخية إلى كونها دعامة معرفية لإستكمال البناء المؤسساتي بالصحراء المغربية. فهي تذكر بأن هذا مجال الصحراء ظل عبر القرون موحدا، وأن القبائل فيه لم تكن يوما خارج سلطة المغرب، وأن أي حديث اليوم عن الإقصاء أو الإحتكار لا يستقيم مع الحقيقة التاريخية ولا يخدم المسار السياسي. وبذلك يصبح المستقبل مشروطا بإعادة وصل ما إنقطع بتعزيز وحدة المكون القبلي في ارتباطه الوطني الوثيق، وتوسيع المشاركة والثمتيلة، وصيانة النموذج المغربي من كل محاولات التشويش، حتى يكتمل تنزيل الحكم الذاتي كخيار إستراتيجي يعبر عن حقيقة الأرض والإنسان والتاريخ معا.
التعليقات مغلقة.