زلزال يضرب الصحافة والقضاء المغربي بعد تسريب فيديو المهداوي وما خفي كان أعظم

الانتفاضة/ إبراهيم السروت
لم يعد السكوت خيارا، ولم يعد بإمكان أحد أن يغطي عينيه عن الحقيقة التي فجرها الصحفي حميد المهداوي في الساحة الإعلامية المغربية. فقد نشر فيديو مسرب يكشف جانبا من مداولات لجنة التأديب بالمجلس الوطني للصحافة، يظهر تدخلات واضحة في قضايا معروضة أمام القضاء، إشارات إلى توجيه مواقف بشأن قضايا جارية، واستعمال عبارات غير أخلاقية خلال نقاش داخلي يفترض أنه مهني وحيادي. وما زاد من وقع الصدمة، أن الفيديو تضمن ذكر اسم الرئيس الأول لمحكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، ما يضع الملف في صميم المؤسسات القضائية العليا.
المشهد الذي تابعته آلاف الأنظار كشف عن لغة متشنجة، وأحكام مسبقة، وتوجيهات أقرب إلى الرغبة في الإدانة منها إلى البحث عن الحقيقة. الأخطر كان الإيحاءات التي حملها التسجيل حول دفع الملف نحو القانون الجنائي، في تجاوز خطير لحدود قانون الصحافة والنشر الذي يفترض أن يوفر حماية مهنية قبل أي شيء. هنا بالضبط يتجلى الخلل البنيوي، حين تمتزج الممارسة التأديبية بالحسابات الشخصية، يصبح التنظيم الذاتي عبئا بدل أن يكون ضمانة.
الفيديو لم يكن مجرد تسريب، بل كان زلزالا مدويا كشف عن هشاشة مؤسسات يفترض أن تحمي المهنة وتقيم قواعد الأخلاقيات والحكامة. فقد أصبح المجلس الوطني للصحافة، الذي يفترض أن يكون حاميا لمبادئ المهنة ومستقلا عن أي تأثير سياسي أو قضائي، مسرحا لتجاوزات خطيرة تهدد استقلال المؤسسات. وما كشفه الفيديو ليس سوى قمة جبل الجليد، وما خفي أعظم.
ولأن السياق المغربي يرتكز على دستور يضمن استقلالية القضاء وحرية التعبير، فإن مجرد التلميح بإمكانية التأثير على المسار القضائي يشكل صدمة للرأي العام، ويمس بثقة المواطنين في المؤسسات. فهذه الممارسات، تخرج النقاش من دائرة الخطأ الفردي إلى أزمة في بنية اتخاذ القرار داخل جهاز أنشئ لترسيخ الأخلاقيات، لا لخرقها.
ما يزيد الوضع تعقيدا هو أن اللجنة المؤقتة نفسها ليست كيانا مستقلا، بل جاءت بقرار حكومي وإشراف مباشر من وزارة الشباب والثقافة والتواصل. وبالتالي فإن المسؤولية السياسية لا يمكن أن تحصر في أفراد اللجنة، بل تمتد إلى الجهة التي شكلتها، وصاغت اختصاصاتها، ومنحتها سلطات واسعة دون آليات كافية للرقابة. وقد وضعت التسجيلات الوزير محمد المهدي بنسعيد في قلب العاصفة، وجعلت أسئلة الشفافية والحكامة تطرح بشكل ملح، فكيف وصلت هيئة رسمية إلى هذا المستوى من الانفلات؟ ومن يحاسب من؟…
وتزداد الأمور خطورة عند النظر إلى الأثر الرمزي والسياسي للفيديو الذي كشف هشاشة المجلس الوطني للصحافة، وضعف التمثيلية والشفافية، وغياب آليات المحاسبة. فالمشهد الإعلامي لم يعد يحتمل حلولا ترقيعية، بل يحتاج إلى إصلاح شامل وعميق يمتد من القوانين إلى هيكلية المؤسسات وآليات دعم الصحافة، وصولا إلى انتخابات هياكلها بطريقة شفافة ونزيهة، حتى تستعيد المؤسسات ثقتها ومصداقيتها.
المهداوي أوضح أنه توصل بالفيديو من مصدر لن يكشف عنه حسب تصريحاته حتى لو طلب منه القضاء ذلك، مشيرا إلى أن الأخطر لم يظهر بالكامل بعد، وهو تلميح بعض المتدخلين لتوجيه مواقف بشأن قضايا جارية أمام القضاء. وفق المراقبين القانونيين، فإن هذا يشكل خرقا صريحا للفصلين 109 و110 من الدستور، اللذين يحميان استقلال القضاء ويحرمان أي تدخل في القضايا المعروضة على المحاكم، ويتركان المسؤوليات الجنائية والتأديبية واضحة لكل من يتجاوز هذا الحد. وقد أصبح فتح تحقيق ضروريا للحفاظ على سيادة القانون، وللتأكد من صحة المعطيات وتحديد المسؤوليات المحتملة.
وما كشفه المهداوي يتعلق مباشرة بحقوق الصحافيين، ونزاهة المرفق العام، وسلامة آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسة مهنية رسمية. ورغم الانتقادات التي ترافق أسلوب المهداوي، فإن تعامله مع المادة المسربة كان متزنا، إذ نشر الأجزاء المتعلقة مباشرة بالقضية دون المس بالحياة الخاصة أو المعطيات الهامشية، وهو ما يحسب له باعتباره اختار المصلحة العامة على الإثارة أو التشهير.
اليوم، القضية لم تعد مجرد نزاع بين صحافي ومؤسسة، بل تحولت إلى امتحان وجودي لقطاع الصحافة المغربي. فاستعادة الثقة لن تكون ببيانات تقنية باردة، بل بفتح تحقيقات شفافة، ومراجعة جدية لبنية اللجنة المؤقتة، وفصل صارم بين ما هو تأديبي وما هو قضائي. كما أن على الجسم المهني أن ينهض بدوره، لأن الصمت في لحظة كهذه ليس حيادا، بل مشاركة في الأزمة.
وتزداد الصورة قتامة عندما نربط كل ذلك بالسياق السياسي والقانوني، فبينما كانت الهيئات والتنظيمات الإعلامية تستعد أواخر 2021 لانتخابات مهنية وتجديد هياكلها، اختارت حكومة عزيز أخنوش تمديد اللجنة المؤقتة من ستة أشهر إلى عامين، وها نحن اليوم أمام تمديد تجاوز كل المدد القانونية المؤقتة، دون أي مؤشر على العودة إلى صناديق الاقتراع. ورغم احتجاجات الفيدرالية المغربية لناشري الصحف وبعض الفعاليات المهنية، استمرت الحكومة في تجاهل هذه النداءات، وأبقت المجلس الوطني في حالة شلل شبه كامل.
لقد كشف الفيديو هشاشة المجلس الوطني للصحافة، وضعف التمثيلية والشفافية، وغيب أي آليات للمحاسبة. وأصبح واضحا أن التدخلات السياسية في عمل اللجنة المؤقتة ليست مجرد ملاحظات سطحية، بل أزمة بنيوية تهدد مستقبل الصحافة في المغرب، وتمس مباشرة استقلال القضاء وحيادية المؤسسات الإعلامية. وهنا يبرز الدور السلبي للوزير الوصي على القطاع، محمد المهدي بنسعيد، الذي كان يفترض أن يكون أول المدافعين عن المؤسسات الصحفية وحمايتها من الانزلاقات، لكنه اختار استمرار اللجنة المؤقتة، وانتقاء عناصر بعينها لتسيير قطاع حساس، بعيدا عن المعايير المهنية أو التمثيلية القانونية.
لقد خلق هذا الوضع شعورا عاما بأن القطاع يدار بقرارات فوقية، خارج منطق الحكامة، وبعيدا عن الحد الأدنى للشرعية المهنية، وهو ما يعتبر انزلاقا خطيرا يهدد مصداقية المؤسسات الصحفية والديمقراطية بشكل عام. فإلى متى سيظل القطاع الإعلامي رهينة لمصالح شخصية وقرارات تعسفية، بينما استقلال القضاء والصحافة على المحك؟
فالمشهد الإعلامي لم يعد يحتمل حلولا ترقيعية، بل يحتاج إلى إصلاح شامل وعميق يمتد من القوانين إلى هيكلية المؤسسات وآليات دعم الصحافة، وصولا إلى انتخابات هياكلها بطريقة شفافة ونزيهة، حتى تستعيد المؤسسات ثقتها ومصداقيتها.
إن ما كشفه المهداوي وما خفي أعظم يؤكد أن القطاع الإعلامي المغربي يمر بلحظة مفصلية، وأن عدم الاستجابة للإصلاحات المطلبية والمهنية سيؤدي حتما إلى تفاقم الأزمة، ليس فقط في الإعلام، بل على مستوى استقلال القضاء والممارسة الديمقراطية في المغرب. فالصحافة ليست مجرد قطاع مهني، بل ضمانة أساسية للرقابة على كل السلطات، وإذا تم التدخل في القضاء من داخل هيئات مفترض أنها مستقلة وموضوعية، فإن الضرر يتجاوز الصحافة ويصل إلى النسيج الديمقراطي كله.
ومن هنا، لم يعد إصلاح القطاع الإعلامي خيارا، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة، ومطلبا ملحا لإعادة الاعتبار للصحافة المغربية، واستعادة ثقة الجمهور، وضمان استقلال القضاء، وحماية المجتمع من أي تدخلات غير قانونية أو تجاوزات محتملة. وحده الإصلاح الحقيقي، القائم على الشرعية، الشفافية، والانتخاب الحر للنخب المهنية، قادر على إعادة الاعتبار للصحافة المغربية وجعلها سلطة مستقلة ومرآة صادقة لمجتمعها، بعيدا عن التسيير العشوائي والقرارات الفوقية، التي لم تعد مقبولة بعد الآن.

إن هذه الأزمة، التي كشفتها بوضوح حادثة فيديو المهداوي، يجب أن تقرأ كنقطة مفصلية في تاريخ الصحافة والقضاء المغربي، كنذير لما يمكن أن يحدث إذا استمر السكوت أو التواطؤ، وتذكير بأن ما ظهر ليس سوى جزء صغير من الحقيقة، وأن ما خفي كان أعظم، وهو ما يجعل التحرك الجاد والفوري ضرورة ملحة على كل المستويات.
فهذه اللحظة تعتبر لحظة حسم، إما أن تتجه الدولة نحو إصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للمهنة والمهنيين، وإما أن يتم طي الملف بقرارات شكلية، وعندها
سيكون الثمن باهظا، سوف تنتهي ثقة الجمهور، وتتراجع هيبة المؤسسات، وتضرب أعمدة أي مشروع ديمقراطي. وما خفي أعظم، وما كشفه الفيديو ليس سوى رأس جبل الجليد. هذه اللحظة ليست مجرد فضيحة عابرة، بل انذار صارخ لكل من يظن أن الصحافة والقضاء يمكن ترويضهما أو تجاوزهما دون حساب.
الحكومة، والمؤسسات القضائية، والمجتمع المدني، وكل الهيئات المهنية، مدعوون اليوم إلى تحمل مسؤولياتهم كاملة. الصمت أو التجاهل لن يكون حيادا، بل شراكة في الانهيار. إذا لم تتحرك الدولة فورا لإصلاح القطاع، وإعادة المجلس الوطني للشرعية، وفصل ما هو تأديبي عن ما هو قضائي، فإن ثمن هذا التقاعس لن يكون محدودا بالمهنة أو المؤسسات فقط، بل سيطال نسيج الديمقراطية نفسه، ويجعل من الصحافة مجرد صدى ضعيف في مواجهة السلطة، والعدالة لعبة في يد المتدخلين.
هذه ليست لحظة لإصدار بيانات شكلية أو لتأجيل القرارات، إنها لحظة اختبار وجودي لقطاع الصحافة والقضاء المغربي. كل تأجيل أو تهاون سيكون بمثابة إذن بمزيد من الانهيار، وسيسجل التاريخ بكل قسوة أن المسؤولين عن هذا الصمت هم الشركاء الحقيقيون في هذه الكارثة.
وإلى أن يستيقظ ضمير المسؤولين نعزي أنفسنا فينا!

التعليقات مغلقة.