مؤثرون يسخرون من أبائهم عن طريق “البرانك” من أجل “الترند”

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

في زمنٍ باتت فيه الشهرة تُقاس بعدد المتابعين لا بعدد القيم التي نحملها، تتفشى ظاهرة مؤلمة تُوجِع القلب قبل العين: تصوير الوالدين في مواقف مُهينة أو محرجة، وجعلهم مادة للسخرية تحت شعار “الترند” و”المحتوى المضحك”، هذه الظاهرة التي تتجاوز حدود اللامسؤولية لتصل إلى انعدام الرحمة، إذ لم يعد الحياء حاجزاً ولا التقدير للوالدين قاعدة.

لم يعد مستغرباً أن نرى على شاشات هواتفنا أبناءً يضعون الكاميرا خلسة أمام والدهم المسنّ، ليوثقوا انفعاله الطبيعي حين يُفاجأ أو يُستفز، ثم يضحكون ملء أفواههم وهم يشاهدون آلاف التعليقات الساخرة من تعابير وجهه أو كلماته البسيطة.

أمّهات يُظهرن في لحظات ضعف أو جهل بالتقنيات الحديثة، ليتم تحويلهن إلى نكات متداولة على “تيك توك” و”إنستغرام”، فقط لأن أبناءهن أرادوا “المشاهدات السريعة”.هذه الظاهرة ليست مجرد موقف مؤقت أو لعبة إلكترونية، بل هي انعكاس لأزمة أعمق في العلاقات الأسرية: فقدان الاحترام، وتراجع قيمة الخصوصية، واختفاء الوعي بأهمية الكرامة الإنسانية. فالوالدان في الماضي كانا يتمتّعان بالهيبة والاحترام الطبيعي من أبنائهما، أما اليوم، فقد صار الابتزاز العاطفي والضحك على لحظاتهما جزءاً من ثقافة “الترند” و”المشاهدات”.

الآثار النفسية لهذه الممارسات على الوالدين لا يمكن التقليل منها. الشعور بالإهانة أو الاستغلال أو فقدان الخصوصية يُترك في أعماقهم، يزرع شعوراً بالخذلان حتى من أقرب الناس إليهم.

وفي بعض الحالات، تتولد مشاعر الحزن والانعزال، وربما الإحباط والشك في المحبة التي لطالما كانت تربط الأسرة. أما على مستوى المجتمع، فهذه الظاهرة تُشكل رسالة خطيرة للأطفال والمراهقين: أن القيم الأخلاقية والتقدير للوالدين يمكن تجاوزها مقابل الشهرة الرقمية والمال.

ليس الهدف مجرد لوم الأبناء أو لوم وسائل التواصل، بل محاولة فهم السياق الذي سمح لهذه الظاهرة بالانتشار: مجتمع يضج بالترفيه الفوري، حيث تُقاس قيمة الفرد بعدد الإعجابات والمشاهدات، وتصبح الكرامة الإنسانية عرضة للمزاد الرقمي.

في هذا الواقع، يتحول الوالدان من رمزين للحنان والدعم، إلى أبطال كوميديا مؤقتة، تُستهلك وتُلقى جانباً بمجرد أن يمل الجمهور.

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعياً مجتمعياً عميقاً، يبدأ من إعادة تقدير مكانة الوالدين، واحترام خصوصيتهم، وتعليم الأبناء معنى الوفاء والرحمة والبر. فليس كل لحظة مضحكة تستحق أن تتحول إلى محتوى، وليس كل فرصة للترند تستحق أن تُداس عليها مشاعر إنسانية. الاحترام الحقيقي للوالدين هو أن نحميهم من السخرية، لا أن نضعهم في دائرة الضوء بلا اختيارهم، لنضحك على ضعفهم ونبيع مشاعرهم مقابل المال.

حين نعيد النظر في معنى البرّ والاحترام، سنكتشف أن قيمة الأسرة لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق العلاقة، بصدق الحب، وبقدرتنا على حماية أحبائنا من عالم أصبح فيه الضحك على الآخرين سلعة. وحتى لا نندم لاحقاً، يجب أن نتذكر أن الوالدين ليسا مادة محتوى، بل هما جذر كل إنسان ومرآته الأولى، وفقدان الاحترام تجاههما فقدان لأعمق القيم الإنسانية.

التعليقات مغلقة.