الانتفاضة
وصول السيدة فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة ليس مجرد ترقية حزبية لمناضلة، بل هو انتقال من منطق الحزب إلى منطق الدولة، ومن يصل إلى هذا المنصب ليس ملكا لحزبه وحده، بل يصبح ملكا لكل المغاربة ورمزا لاستمرارية الدولة، وهذا ما يفرض بروتوكولا خاصا يجب على مناضلي حزب الأصالة والمعاصرة أولا قبل غيرهم أن يستوعبوه جيدا.
رئيسة الحكومة لم تعد فاطمة الزهراء المنصوري المنسقة الوطنية التي كان المناضل يطرق بابها في أي وقت، ولا رئيسة المجلس الجماعي التي كانت تستقبل الجميع في مكتب مفتوح، رئيسة الحكومة اليوم هي ثاني شخصية في البروتوكول بعد جلالة الملك، شخصية يحيط بها الأمن الخاص، وتخضع أجندتها لترتيبات ديوان رئاسة الحكومة، وتحكمها ضوابط دستورية وأمنية دقيقة.
على المناضل أن يفهم أن الوصول إليها لم يعد سهلا كما كان، ليس تكبرا ولا تجاهلا، بل احتراما لهيبة المنصب، فالدولة لها بروتوكولها، لا يمكن لرئيسة حكومة أن تستقبل كل مناضل يريد صورة أو تزكية أو تدخلا، ولا يمكنها أن تجيب على كل مكالمة أو رسالة واتساب كما كانت تفعل من قبل، منصبها الآن يفرض عليها مسافة ضرورية مع الجميع، حتى مع حزبها.
وهذه هي قمة النضج السياسي، الحزب القوي هو الذي يحمي رئيسة حكومته من نفسه، لا الذي يغرقها بطلباته الصغيرة ويحرجها أمام باقي الشركاء وأمام مؤسسات الدولة، مهمة المناضل اليوم ليست أن يطالب رئيسة الحكومة بحل مشكلته الشخصية، بل أن يكون سندا لها في الميدان، أن يدافع عن حكومتها في دائرته، في جماعته، في جهته، أن يشرح قراراتها للناس وأن يتحمل كلفة الدفاع عنها.
كثير من الأحزاب سقطت في هذا الفخ من قبل، حين اعتقد مناضلوها أن وصول حزبهم إلى رئاسة الحكومة يعني اقتسام الغنيمة والمناصب والمكاسب، فكانت النتيجة هي إحراج رئيس الحكومة وإظهاره كأنه يخدم حزبه لا شعب، وهذا يجب أن لا يقع فيه مناضلو البام.
بروتوكول رئاسة الحكومة يفرض أيضا لغة جديدة، لم تعد المنصوري مطالبة بالدفاع عن البام فقط، بل هي مطالبة بالدفاع عن المغرب كله، عن كل الأحزاب، عن كل الجهات، حتى عن معارضيها، ولذلك على مناضلي الحزب أن يكفوا عن مطالبة رئيسة الحكومة بأن تكون ناطقة باسم الحزب في كل صغيرة وكبيرة، هي اليوم في موقع التحكيم والتوفيق بين كل مكونات الأغلبية وليست في موقع المناكفة الحزبية.
حزب الأصالة والمعاصرة أظهر أنه حزب دولة بامتياز، فهو لم يتعامل مع رئاسة الحكومة كغنيمة حزبية، بل تعامل معها كمسؤولية وطنية، فوض قيادته بكل ثقة واحترم بروتوكول الدولة ولم يمارس أي ضغط أو ابتزاز، وهذا هو الفرق بين حزب يحترم مؤسسات الدولة ويعرف حدود الحزب وحدود الدولة، وبين حزب كان يتعامل مع رئاسة الحكومة كأنها مقاطعة حزبية مغلقة.
على مناضلي البام أن يفتخروا اليوم بأن زعيمتهم أصبحت رئيسة حكومة كل المغاربة، وأن يرتقوا إلى مستوى اللحظة، اللحظة تقتضي الانضباط والالتزام والصبر، فهيبة المنصب هي من هيبة الحزب نفسه، وكلما احترمنا بروتوكول رئاسة الحكومة، كلما أظهرنا أننا حزب كبير يستحق أن يحكم.