الإنتفاضة
في جلساتها التي إنعقدت في لاهاي، أمام محكمة العدل الدولية و مجلس حقوق الإنسان، شهد المسار القانوني للقضية الفلسطينية تحوّلاتٍ جعلت النقاش لا يدار بعد حول الاعتراف وحده، بل حول كيان الدولة الفلسطينية الفعلي كجزءٍ لا يتجزأ من إلتزامات إسرائيل دوليًا.
يكمن المطلب الأساسي وفق منهج خبراء القانون الدولي في إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي إحتلت عام 1967، كشرط لا غنى عنه لكي تصبح فلسطين دولة ذات سيادة كاملة.
المعايير القانونية للدولة (سكان، إقليم، حكومة، قدرة على إجراء علاقات دولية) موجودة إلى حد كبير لدى الفلسطينيين. لكن ما يُفتقد حتى الآن هو القدرة على ممارسة السيادة — أي السيطرة الفعلية على الأرض دون قيود إحتلالية.
هذا المطلب ليس تجريداً نظرياً، بل إستنتاجات متكرّرة من قرارات و إتفاقيات دولية. ففي الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، إعتُبرت مستوطنات إسرائيل في الضفة الغربية و القدس الشرقية مخالفة للقانون، و أُكد أن وجود إسرائيل هناك غير قانوني بموجب مبادئ القانون الدولي، و أن الإحتلال يُعيق ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره.
من جهةٍ أخرى، في مذكّرات فلسطين المفتوحة إلى المحكمة، تم التشديد على أن الحقوق الفلسطينية (الإطّلاع، الإرث، الإدارة الذاتية) لا يُمكن أن تتحقق مادام الإحتلال مستمراً، و أن الإعتراف الدولي دون إنهاء الإحتلال يزيد من التناقض بين الوضع القانوني المُعترف به و بين الواقع الميداني.
كما أن الإنتهاكات التي توصّل إليها القانون الدولي من خلال التقارير الدولية و محكمة العدل، مثل بناء المستوطنات، الحواجز، التوسع الإستيطاني، و الضم الفعلي للأراضي، تُعد كلها ممارسات تُضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية حقيقية، لأنها تمسّ العنصر الأساسي في السيادة و حق الشعب في الإستقلال.
ليس فقط الفلسطينيون من يُطالبون بذلك؛ دول و منظمات دولية عبرت صراحة عن أن الحل السياسي الذي لا يتضمّن إنهاء الإحتلال يعتبر شكلياً و مخالفة لأحكام القانون الدولي. مثلاً، عمان في جلسات المحكمة أكّدت أن إنهاء الإحتلال هو إجراء ضروري و غير قابل للتفاوض، بإعتباره حجر الأساس لحقوق الإنسان و لحصانة الشرعية الدولية.
الأهم أن هذا المطلب ليس مجرد مطلب دبلوماسي أو أخلاقي فحسب، بل له تبعات قانونية حقيقية : إذ إن الإحتلال المستمر يُلزم الدولة المحتلة بعدم إرتكاب إنتهاكات، و حدود مسؤولياتها الدولية، و يضع على المجتمع الدولي إلتزاماً بعدم تمكين الإحتلال أو معايشته كأمر طبيعي.
خلاصة الأمر أن المحور الذي أصبح يقف عليه ملف الدولة الفلسطينية في القانون الدولي ليس ما إذا كان هناك إعتراف أم لا، بل ما إذا كانت هناك سيادة كاملة تحررها الدولة الفلسطينية من كل قيود الإحتلال الفعلي. و الإحتلال، حسب كل الأدلة القانونية و القرارات المحكوم بها، هو العائق المركزي، و ما لم يُزَلّ، تبقى دولة فلسطين، قانونياً و معنوياً، في حالة دولة مُنتظَرة، لا مكتملة.
التعليقات مغلقة.