… لم تكن قابلة للنسيان أو تُوصَف بالغفلة عن حقها مهما جار عليها الرمان فتقبع في مكانها المحصور، بين أطماع المبتلي بهم المغرب منذ عصور ، أحفاد الاستحواذ على منافع الآخرين مهما كانوا محوطين أنفسهم بأمتن صور ، لذا تعرضت المدينة لأكثر من غارة لإركاعها وسلب مقوماتها وما اختزنته من كنوز المعرفة مذ كانت نواة لزعامة راغبة في الظهور ، ما أسِّسَ في محيطها عبر مراحل بدائية بخاطرها منشور ، ليعم ما حولها فيدب الوعي وتتكاثر الطموحات المكونة لكيان دولة وأمة لها امتداد مهما كان المجال عبر المعمور ، لكن دعاة التخريب الآتين من بعيد متى سمعوا بمثل الخير يطفو زارعاً للتمدُّد الحضاري الرفيع بذور ، زحفوا صوبها معزَّزين بفؤوس الهدم لإتلاف المذكور ، في أسفار تعد المراجع الأكثر إحاطة بصدق الأخبار عما بادت من شعلة المجد (المبني طوبة بعد طوبة لرخاء حياة) في تلك البقعة سادت كأضخم ما عرفته الإنسانية في ذاك الوقت من أتَمِّ مشروع للتعمير المرصع بالانضباط والتنظيم المُدافُع عنه حتى بقرنيات الأُظْفُور ، وكل مرة يُرَاد اندحارها تنهض ضاربة المثل الأروع في صمود لايَبُور ، وكلها عزم للبدء من جديد على نفس القاعدة الأساس بعد شبه قحط تُصبَغ اليابسة مباشرة باليَخْضُور ، وتيك إرادة تنجز مِن اللاشيء المعجزات حباً في الاستقرار حيث الماء الوفير والأفق النظير والجو المفعم بالتفاؤل لاستقبال أفضل مصير مبَشَّر به مع زقزقة العصافير كل شروق به الروتين يطير كأنه عالم مصغَّر للسعداء مَن قُدّر عليهم في ذاك التوقيت الغابر الحضور .
… سكنه البشر ما قبل التاريخ ليكون أعرق موقع يستحقّ الانتباه والمغرب يتحدث عن نواة نشأته كدولة و أمة ، رفقة “ليكسوس” التي لا زالت تُحكَى عنها ما خلَّدها تحفة جلبت ألباب مَن حجُّوا لعين المكان ، قصد التمتع بما كان ، في الدنيا جمالا للجمال كأرق بستان ، وبلسماً لحياة كانت الأحلى والأهنأ والامتع فضاء وجواً وزرعا وتآلُفاً بين مَن عاشها آنذاك في استقرار وأمان ، لتصبح الآن مطرحاً للنسيان ، مسيَّجة بما يدين القائمين على التراث كأنها وكل منطقة القصر الكبير عبارة عن سطور في كتاب أصل وطن ، المراد مسح جملها الواحدة تلو الأخرى لتبدو بما أسسته من حضارة مجرَّد لقيطة ليمر مَن يمر عليها دون أعارتها ما تستحقه حتى من أطيب وصفِ عطفٍ وحنان . ويغمر الأسى المتمعن في درجات الإهمال ليضاف لما تعرضت له في جانبها الظاهر المتبقي من المدفون تحت الأرض بعامل التقادم ، وكأن الفينيقيين ما وصلوا إلي هنا وجعلوا منها مدينة التفاحات الذهبية العامرة على الضفة اليمنى لنهر “اللوكوس” . “بلينيوس” عرَّفها كأقدم ما شيده الفينيقيون بغرب البحر الأبيض المتوسط ن متداول عليها عبر الأجيال ، أن هرقل التحق بها لأخذ التفاحات الذهبية بعد قطفها من شجرة عرفتها حدائق الهيسبيريذس بعد معركة جمعت بينة وحارس الشجرة التنين العملاق .(للمقال صلة)
التعليقات مغلقة.