الانتفاضة // إسلام عجمي
كثيرًا ما يُقدَّم أبو لهب في الفهم الشائع على أنه شخص معيّن من أقارب النبي، وكأن سورة المسد نزلت خصيصًا لشتمه أو تصفية خلافٍ شخصي.
لكن القراءة العقلية للنص تكشف أن المعنى أعمق بكثير من حصره في زمنٍ أو شخصٍ بعينه.
حين نتأمل سورة المسد نجدها لوحة رمزية حيّة:
أبو لهب ليس اسمًا بل صفةٌ لكل من يُشعل نار الفتنة بين الناس.
وامرأته حمّالة الحطب ليست امرأة واحدة، بل رمزٌ لكل من يغذّي تلك النار بلسانها ونقل الكلام وإشاعة الفتنة.
و في اللسان العربي: اللهب هو النار المشتعلة المتّقدة، والحطب هو وقودها الذي يبقيها حية.
و حين يجتمع أبو لهب مع حمّالة الحطب يكون المعنى واضحًا: شخصٌ يشعل فتنةً بالكلام والقذف، وشريكٌ يجمع له الوقود وينشره. هذه صورة لا تنتهي ولا تخص عصرًا بعينه بل هي نموذج لكل من يفسد المجتمع بلسانه وكلامه وفتنته.
كما أن أصل كلمة زنا في العربية يدل على التعدّي والاختلاط بغير حق من معانيه التداخل غير المشروع، والخروج عن الحدّ.
و يقال زنى بلسانه أي تجاوز بالكلام فطعن في الأعراض.
و يقال زنت عينه أي امتدّ بصره لما لا يحلّ له.
من هنا يظهر أن الزنا ليس مقصورًا على الفعل الجسدي، بل أوسع، هو كل انتهاكٍ لحُرمة إنسان، بالكلمة أو التهمة أو إشاعة الباطل أو بثّ الفتنة.
فهل سألنا أنفسنا يومًا: لماذا لم يستخدم التنزيل الحكيم كلمة زنا حين تحدّث عن النساء؟
أليس غريبًا أن كل الآيات التي تصف الفعل الجسدي تقول دومًا يأتين الفاحشة ولا تقول يزنين؟
قل تعال: “واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم”
وقال تعالى: “واللذان يأتيانها منكم”
وقال تعالى: “واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم”
فلماذا اختار النص الفاحشة وتجنّب الزنا هنا؟
أليس لأن الفاحشة تصف الفعل الظاهر القبيح المادي؟
بينما الزنا أوسع وأخطر حين يكون فتنةً ولسانًا وقذفًا وتعدّيًا على الأعراض بغير حق؟
من هنا يظهر موضع مهم للغاية يُردّد الفهم الموروث أن معنى قوله تعالى: “الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة”، أن من زنى جسديًا لا يجوز له أن يتزوج إلا زانية.
لكن أي منطق يقبل أن من زلّ بفعلٍ وانتهى وتاب لا يحق له أن يرتبط بامرأة طاهرة؟
هذا مخالف للعقل والعدل وروح الستر التي جاء بها التنزيل كله.
أما لو قرأنا الآية بمعناها الأوسع: من يزني بلسانه وينتهك أعراض الناس ويُشيع الفتنة هو زانٍ في جوهر اللسان، ولن يجد إلا من تشبهه زانية مثله، شريكة تغذّي فتنته وتدور معه تمامًا مثل أبو لهب وحمّالة الحطب
إذًا في منطق اللسان:
الفاحشة هي الفعل الجسدي القبيح الظاهر الذي يهتك الستر.
و الزنا هو التعدّي الأوسع: إشاعة الفتنة، القذف، انتهاك الحُرمة بالكلمة والاتهام.
وسورة المسد تجسّد هذا المعنى حيًّا: من يشعل نار الفتنة هو الزاني الأخطر، ومن يغذّيها هو حطبه، والنار التي صنعوها بلسانهم تأكلهم عدلًا.
بهذا تنسجم كلمات التنزيل مع العقل والعدل:
الزاني الحقيقي هو من يخترق حُرمة الناس ويُفسد قلوبهم وبيوتهم بلسانه، أما الفاحشة فهي ما يُفضح جسدًا.
وهكذا لا يعود النص شتيمةً لشخصٍ ولا قيدًا لزمانٍ، بل قانونٌ خالدٌ يفضح منطق الفتنة ويعاقب صانعيها.
التعليقات مغلقة.