الانتفاضة // محمد أزلو
لطالما شعرت بفخر واعتزاز عميقين حينما كنت أصادف مقاطع فيديو لشباب، كهول، أو حتى شيوخ، يخاطبون الألم بجرأة، ويحاورون الحكومة بشجاعة، مطالبين بإيقاف نزيف غلاء الأسعار وانتشار البطالة.
كان ذلك الصوت، الخارج من قلوب تحترق بصمت، يثير في داخلي شرارة الأمل.
كنت أرى في تلك الكلمات الموجعة ولكن الصادقة انعكاسًا لروح وطن لا يزال يحتفظ بقدرته على النضال، وطن يعرف كيف يُعبّر عن ألمه رغم كل الصمت الذي يحاصره.
لكن، ويا للمفارقة، كم كنت أحس بالموت البطيء حين أصادف مقاطع أخرى لرجل أو امرأة يسردان في وجعٍ عميق أن المغاربة يعانون بصمت، بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع وسط صخب اللامبالاة.
كنت أشعر كأن ذلك الصمت يلتهمنا جميعًا، كأن الألم يغدو عادة، وكأننا نُطبع مع وجعنا، نُطبع مع القهر والغلاء، نُطبع مع بطالة الشباب وضياع الأحلام.
ثم جاء مهرجان موازين. ذلك الحدث الذي لم يكتفِ فقط بقلب موازين الفن، بل قلب موازين عقلي وقلبي معًا. وجدت نفسي أمام مشاهد لفيديوهات تُظهر شبابًا وكهولًا يرقصون على إيقاعات روبي وغيرها، أجساد تتمايل في انسجام غريب مع أصوات الموسيقى، وابتسامات مرسومة على وجوههم، بل منهم من كان يرقص بجسده بينما عقله غائب عن الوعي، كأن الرقص هو الملاذ الوحيد، كأنهم يهربون من الألم إلى لحظة فرح زائف.
نعم، شكراً موازين. شكراً لأنك أظهرت لنا الحقيقة التي كنا نحاول إنكارها. أظهرت أن الألم الذي كنا نظنه مشتركًا، ليس كذلك. أظهرت أن الصراخ الذي كنا نظن أنه يعبّر عن شعب بأكمله، لم يكن سوى همسات قلة قليلة.
أظهرت أن هناك من اختار أن ينسى، أن يتناسى، أن يتماهى مع واقع قاسٍ عبر رقصة، عبر أغنية، عبر لحظة غياب عن الوعي.
الآن، بكل صوت عالٍ، نقول لحكومتنا: لا تخافي. زيدي في الأسعار. ارفعي كلفة العيش.
فشعبنا، كما أظهره موازين، شعب غني. غني بقدرته على الرقص فوق جراحه، على التمايل على إيقاعاتٍ لا يسمعها إلا هو. شعب مغيب، مستسلم لفرحة عابرة على حساب ألمٍ دائم.
لكن، وبين كل هذا الألم والفرح المزيف، يبقى السؤال معلقًا في الهواء: هل نحن حقًا شعب غني؟ أم أننا شعب اختار أن يهرب من مواجهة الحقيقة عبر الرقص؟ هل نحن شعب يعرف كيف يطالب بحقوقه؟ أم أننا نصبح شعبًا آخر حين تضاء الأضواء وتعلو إيقاعات الموسيقى؟
إن موازين ليست مجرد مهرجان. إنها مرآة. مرآة تعكس واقعًا كنا نخشى أن نواجهه، واقعًا يقول لنا بصوتٍ عالٍ: نحن لسنا كما نظن. نحن شعب يعيش تناقضاته، شعب يرقص على جراحه، شعب بين من يصرخ بالألم ومن يختار الصمت، وبين من يفضل أن يرقص تاركًا كل شيء خلفه.
في النهاية، شكراً موازين.
شكراً لأنك جعلتنا نُدرك أننا لم نكن نهدي حين كنا ننتقد الحكومة ونطالب بخفض الأسعار.
الآن، يبدو أن علينا أن نصمت، أو ربما أن نرقص مثلهم.
التعليقات مغلقة.